قوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ) .
فرق كون الإنسان لَا يتصور حدوث العالم، وبين كونه يحكم بقدم العالم، فكونهم لَا يسمعون ولا يعقلون راجع لاتصافهم بقدم التصور القابل للزوال، وكونهم كالأنعام راجع لتصور النقيض الذي لَا يقبل الزوال، وهو الجهل المركب والأول بسيط.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ... (50) }
الضمير المفعول عائد على مَاءً وتصرفه، إما أنزلناه بالفعل، أو بقدر، فالاتعاظ إنما هو بـ أنزلناه، فكان ابن عبد السلام يقول: هذا مصحح لما يقول المنطقيون من أن النتيجة ما تنشأ إلا عن مقدمتين فصاعدا؛ لأن تصديقه إنما هو بتنويعه، فالتذكر إنما حصل بتنوعه وتعدد أقسامه.
فإن قلت: هلا قيل: صرفناه لهم، قال: عادتهم يجيبون: بأنه إخبار بكمال خيبتهم؛ لأن تصريفه لهم فيه متعة لهم، مع أنهم حصل لهم بتصريفه نقيض ذلك، فلذلك قال بينهم.
قوله تعالى: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) .
ولم يقل: فأبى أكثرهم، لأن العدول عن الضمير إلى الظاهر تأكيد في نسبة الكفر إليهم.
قال الزمخشري: وعن ابن عباس: ما من عام أقل مطر من عام، بل الأعوام كلها متساوية، وإنما يختلف مجمل إنزال المطر، ينزل في بعض البلاد دون بعض، ويقل في بعض ويكثر في بعض.
قال ابن عرفة: وهذا ما يمكن أن يقوله ابن عباس باجتهاده، وإنما هو مستند فيه إلى حديث سمعه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قيل لابن عرفة: قد قال الزمخشري: إنه تلا هذه الآية، فكأنه استدل بها على ما قال، فقال ابن عرفة: لَا دليل فيها بوجه.
قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا ... (51) }
أي لو شئنا، راحتك لبعثنا، ولكن أردنا تعبك في ذلك ليعظم لك الأجر والثواب.
قوله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ ... (52) }
ليس المراد النهي عن طاعتهم، فيما يأمرونه، وإنَّمَا المراد النهي عن طاعتهم في لازم ذلك، كأنهم يأمرونهم باتباع آلهتهم، ومن لازم ذلك كفه عن جهادهم، وعن دعائهم إلى الإيمان بالله ورسوله. انتهى انتهى {تفسير ابن عرفة. 3/ 232 - 236} ...