شهادة منهم له بأنه قد أبلغ وسعه في تبليغ ما أمر به حتى قارب إضلالهم عن آلهتهم ولم يضلهم عنها، ومن قارب فعل الشيء ولم يفعله هو على نوعين: إما لعجزه عن طريق فعله، وإما لمانع وجده فيه يمنعه من فعله، والعجز هنا منتف فطريق الوجود، والمانع منهم يمنعهم من الضلال عن آلهتهم، فكذلك لولا أن صبرنا عليها، لأنها لَا تلزم إلا حيث يكون الكلام محتملا، تكون إن نافية ومخففة من الثقيلة، فيلزم اللام المخففة فرقا بينهما وبين النافية، والكلام هنا صريح أنها مخففة.
قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ... (43) }
قال الزمخشري: فيه تقديم وتأخير، أي: اتخذ هواه آلهه وقدم لفظ الآلهة اعتناء به.
ابن عرفة: الصواب ألا تقديم فيه بوجه؛ لأن المقدم في هذا التركيب منفي بثبوت المؤخر، كقولك: اتخذ زيد نومه مهجده، أي انسلخ عن نومه وصيره تهجدا، فهذا مدح، ولو عكستها تقول: اتخذ زيد تهجده نومه، أي انسلخ عن تهجده وصيره نوما، وكذلك قولك: اتخذ زيد تجارته عبادة فهذا مدح، ولو عكست لصار ذما، فالمراد هنا أنه انسلخ عن الآلهة وعبادته إلى اتباع هواه، ولو قال: اتخذ هواه آلهه لصار مدحا من ناحية أنه انسلخ عن هواه إلى عبادة آلهه، قيل لابن عرفة: إنما حمله الزمخشري على أنه جعل هواه حاكما عليه، فقال: إنما المعنى ما قلت لكم وهو الصواب، وكذلك
قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) ، نقله من الاختصاص، بتسميه إبراهيم إلى الاختصاص بالخليل.
قوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) .
معطوف على مقدر، أي أنت تصده عن ذلك فتكون عليه وكيلا.
قوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ ... (44) }
أم بمعنى بل والإضراب بها انتقال وتقدم، أن الانتقال إنما يكون من الشيء إلى شيء أبلغ منه في بابه إما مدح أو ذم، وبيان الأبلغية هنا أن الأول: ذم لهم بخطابهم في أمر تصديقي، وهو اتخاذهم آلهتهم هواهم، والثاني: ذم لهم بخطاياهم في التصور وهو أفج من الخطأ في التصديق.
فإن قلت: كيف عاند بين السمع والعقل وليسا بضدين؛ لأن السمع طريق للعقل، قلنا: أوجه المعاندة أن السمع أمر حسي، والعقل أمر وجداني.