وكان من قصتهم يا أخا تميم أنهم كانوا قوماً يعبدون شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت ، كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها دوشاب كانت أُنبتت لنوح عليه السلام بعد الطوفان ، وإنّما سُمّوا أصحاب الرسّ لأنهم رسّوا نبيهم في الأرض وذلك قبل سليمان بن داود ، وكان له إثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق ، وبهم سمّي ذلك النهر ، ولم يكن يومئذ في الأرض أغزر منه ولا أعذب ، ولا قرى أكثر سكاناً ولا أعمر منها ، وكانت ، أعظم مداينهم اسفندماه وهي التي ينزلها ملكهم ، وكان يسمّى نركوز بن عانور بن ناوش بن سارن ابن نمرود بن كنعار ، وبها العين والصنوبرة وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة فنبتت الحبّة وصارت شجرة عظيمة ، وحرموا ماء العين والأنهار فلا يشربون منها هم ولا أنعامهم ، ومن فعل ذلك قتلوه ، ويقولون: هي حياة آلهتنا فلا ينبغي لأحد أن يقطف من حباتها ، ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم ، وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيداً تجتمع إليه أهلها ويضربون على الشجرة التي بها كلّة من حرير فيها أنواع الصور ، ثم يأتون بشياه وبقر فيذبحونها قرباناً للشجرة ويشعلون فيها النيران بالحطب ، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتاره في الهواء ، وحال بينهم وبين النظر إلى السماء ، خرّوا للشجرة سجّداً يبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم .