وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ هذه تسلية لرسول الله صلّى الله عليه وسلم على ما يلقى من قومه من الأذى والصدود والإعراض، أي لا تحزن يا محمد، فتلك سنة الله في خلقه، فكما جعلنا لك أعداء من المشركين يتقولون عليك الأباطيل، ويهجرون القرآن، جعلنا لكل نبي من أنبياء الأمم الماضين أعداء من المشركين الظالمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [الأنعام 6/ 112] فاصبر كما صبروا، وامض في تبليغ رسالتك. قال ابن عباس: كان عدو النبي صلّى الله عليه وسلم أبا جهل، وعدو موسى قارون، وكان قارون ابن عم موسى.
لكن النصر والغلبة للرسول صلّى الله عليه وسلم، كما قال تعالى:
وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً أي وكفى بالله ربك هاديا لك إلى الحق، وهاديا من اتبعك وآمن بكتابك وصدقك إلى مصالح الدين والدنيا، وناصرك على أعدائك في الدنيا والآخرة.
وقد قرن الله تعالى بين الهداية والنصر لأن الأولى سبيل لتحقيق نصر المؤمنين على الكافرين، وكان المشركون يصدون الناس عن اتباع القرآن لئلا يهتدي أحد بالرسول صلّى الله عليه وسلم، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن، وللحفاظ على قوة التفوق والغلبة، وإبقاء ميزان القوى راجحا في صالحهم.
الشبهة الخامسة لمنكري نبوة محمد صلّى الله عليه وسلم:
بعد بيان شكوى الرسول صلّى الله عليه وسلم قومه إلى ربه، حكى الله تعالى شبهة أخرى للمشركين أهل مكة فقال:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوانُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً أي أضاف المشركون أهل مكة لطعنهم السابق في القرآن بأنه إفك مفترى وأنه أساطير الأولين، أضافوا شبهة أخرى هي قولهم: إذا كنت تزعم أنك رسول من عند الله، أفلا تأتينا بالقرآن جملة واحدة، كما أنزلت التوراة جملة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود؟
ومعنى الآية: لو كان القرآن من عند الله حقا، فهلا أنزل على محمد صلّى الله عليه وسلم جملة واحدة، كما نزلت الكتب الإلهية المتقدمة.
فأجابهم الله تعالى عن ذلك بقوله: