فبماذا وعد الله الذين آمنوا؟ {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض} [النور: 55] وهذه ليست جديدة ، فقد سبقهم أسلافهم الأوائل {كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ} [النور: 55] ، فاستخلاف الذين آمنوا ليس بدْعاً ، إنما هو أمر مُشاهد في مواكب الرسل والنبوة ومُشَاهد في المسلمين الأوائل من الصحابة الذين أُذوا وعُذِّبوا واضطهدوا وأُخْرِجوا من ديارهم وأولادهم وأموالهم ولم يُؤمَروا بردِّ العدوان .
حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة في جَمْع من صحابته استقبله الأنصار بالحفاوة ، واحتضنوا هؤلاء المهاجرين ، وفعلوا معهم نموذجاً من الإيثار ليس له مثيل في تاريخ البشرية ، وهل هناك إيثار أعظم من أنْ يعرض الأنصاري زوجاته على المهاجر يقول: اختر إحداهما أُطلِّقها لك ، إلى هذه الدرجة فعل الإيمان بنفوس الأنصار .
ولما رأى كفار قريش ما صنعه الأنصار مع المهاجرين توقَّدوا ناراً: كيف يعيش المهاجرون في المدينة هذه العيشة الهنية وتكتلوا جميعاً ضد هذا الدين ليضربوه عن قَوْس واحدة ، وتآمروا على القدوة ليقضوا على هذا الدين الوليد الذي يشكل أعظم الخطر عليهم .
حتى إن الأمر قد بلغ بالمهاجرين والأنصار أنهم لا يبيتون إلا بالسلاح ، ولا يصبحون إلا بالسلاح مخافةَ إنْ ينقضَّ عليهم أعداؤهم ، حتى إن أحد الصحابة يقول لإخوانه: أتروْنَ أنَّا نعيش حتى نأمن ونطمئن ولانبيت في السلاح ونصبح فيه ، ولا ننخشى إلا الله؟ يعني: أهناك أمل في هذه الغاية؟
وآخر يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون . ؟ ألاَ يأتينا يوم نضع فيه السلاح ونبيت آمنين؟