فالعرض أحبتي الكرام شيءٌ عظيم، شيءٌ خطير، شيءٌ غالٍ جداً تهون الحياة في سبيل الحفاظ عليه، نسأل الله أن يحفظ أعراضنا جميعاً، ولذلك ذكر الله في صفات المؤمنين كما جاء في السورة السابقة"وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ"، وتكررت الآيات ذاتها هي هي في سورة المعارج بعد ذلك أيضاً مرةً أخرى، والدين جاء يحفظ أموراً سماها العلماء بالكليات الخمس، يعني أمور جامعة أساسٌ في الحياة لا تقوم الحياة بغيرها، منها العرض والحفاظ عليه، هذه السورة تركز على هذه النقطة وتدور حول هذا المحور الخطير بعدة موضوعات؛ أولاً جرَّم الله الاعتداء على الأعراض اعتداءً فعلياً عملياً أو قولياً، وغرَّم ذلك الاعتداء، جرَّمه أي جعله جريمة سواءٌ كان هذا الاعتداء على الأعراض بالزنا أو بالقذف بالكلمة، أن يتهم إنسانٌ عرضاً من الأعراض بأنه وقع في زنا، هذا اسمه قذف، جعل الله الاثنتين كبيرتين هذه كبيرة وتلك كبيرةٌ أيضاً، وغرَّم فاعلها فالزاني - حسب ما ذُكر في هذه السورة - هو الزاني غير المحصن الذي لم يسبق له أي زواج، لم يذق الحلال أبداً في هذا المجال، فهذا اسمه غير مُحصن، يُجلد مائة جلدة ويغرَّب الشاب سنةً كاملة، يُقصى عن بلاده وأهله وعشيرته ويقضي سنةً في مكانٍ قفرٍ، في مكانٍ موحش في غربةٍ فيها الكربة والألم، أما البنت بتجلد مائة جلدةٍ فقط ولا تغرب، ومن اعتدى على الأعراض أو عرض منها بكلمةٍ قاذفة فإنه يُجلد ثمانين جلدة وتُرد شهادته بين المؤمنين ولا تُقبل كلمته، فلقد اتهم عرضاً بكذب فلا يؤتمن أن يكذب مرةً أخرى، ومن كذب في الأعراض يكذب فيما دونها، يكذب في الأموال وبقية الأحوال، لأن كذبه على الأعراض أخطر، وتُرد شهادته ويصير بين الناس معروفاً بالفسق"وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا"فإنه يرفع عنه هذا الحظر فتقبل شهادته من جديد ويقبله الناس وما عادوا يسمونه فاسقاً إن تاب من جريمته هذه.