وحكى الكسائي والفراء جميعاً"تمنى"إذا حدّث نفسه ؛ وهذا هو المعروف في اللغة.
وحَكَيَا أيضاً"تمنى"إذا تلا.
وروي عن ابن عباس أيضاً وقاله مجاهد والضحاك وغيرهما.
وقال أبو الحسن بن مهدي: ليس هذا التمني من القرآن والوحي في شيء ، وإنما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صفِرت يداه من المال ، ورأى ما بأصحابه من سوء الحال ، تمنّى الدنيا بقلبه ووسوسة الشيطان.
وذكر المهدويّ عن ابن عباس أن المعنى: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه ؛ وهو اختيار الطبري.
قلت: قوله تعالى: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطان فِتْنَةً} الآية ، يردّ حديث النفس ، وقد قال ابن عطية: لا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة ، بها وقعت الفتنة ؛ فالله أعلم.
قال النحاس: ولو صح الحديث واتصل إسناده لكان المعنى فيه صحيحاً ، ويكون معنى سها أسقط ، ويكون تقديره: أفرأيتم الّلاتَ والعُزَّى ؛ وتم الكلام ، ثم أسقط (والغرانيق العلا) يعني الملائكة (فإن شفاعتهم) يعود الضمير على الملائكة.
وأما من روى: فإنهن الغرانيق العلا ، ففي روايته أجوبة ؛ منها أن يكون القول محذوفاً كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة ، ويجوز أن يكون بغير حذف ، ويكون توبيخاً ؛ لأن قبله"أفرأيتم"ويكون هذا احتجاجاً عليهم ؛ فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحاً في الصلاة.
وقد روي في هذه القصة أنه كان مما يقرأ: أفرأيتم اللات والعُزّى.
ومناة الثالثة الأخرى.
والغرانقة العلا.
وأن شفاعتهن لترتجى.
روي معناه عن مجاهد.
وقال الحسن: أراد بالغرانيق العلا الملائكة ؛ وبهذا فسر الكلبيّ الغرانقة أنها الملائكة.
وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون (أن) الأوثان والملائكة بنات الله ، كما حكى الله تعالى عنهم ، وردّ عليهم في هذه السورة بقوله: {أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الانثى} فأنكر الله كل هذا من قولهم.