فإن قيل: هذه الحالة لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى: {ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أجيب: بأن معنى قوله تعالى: {ثم رددناه أسفل سافلين} هو دلالة على الذمّ ، فالمراد به ما يجري مجرى العقوبة ، ولذلك قال تعالى: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لكن قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر إلى هذه الحالة ، وقد علم بعود الإنسان في ذهاب العلم وصغر الجسم إلى نحو ما كان عليه في ابتداء الخلق قطعاً أن الذي أعاده إلى ذلك قادر على إعادته بعد الممات ، ولما تم هذا الدليل على الساعة بحكم المقدّمات وأصح النتائج ، وكان أوّل الإيجاد فيه غير مشاهد ذكر الله تعالى دليلاً آخر على البعث مشاهداً بقوله: {وترى الأرض هامدة} أي: يابسة ساكنة سكون الميت {فإذا أنزلنا} أي: بما لنا من القدرة {عليها الماء اهتزت} أي: تحركت وتأهلت لإخراج النبات {وربت} أي: ارتفعت ، وذلك أوّل ما يظهر منها للعين ، وزادت ونمت بما يخرج منها من النبات الناشئ عن التراب والماء ، وقوله تعالى: {وأنبتت} مجاز ؛ لأنّ الله تعالى هو المنبت وأضيف إلى الأرض توسعاً أي: أنبتت بتقديرنا لا أنها المنبتة {من كل زوج} أي: صنف {بهيج} أي: حسن نضير من أشتات النبات في اختلاف ألوانها وطعومها وروائحها وأشكالها ومنافعها ومقاديرها ، قال الجلال المحلي: من زائدة ، ولم أرَ من ذكر ذلك من المفسرين.
تنبيه: في الآية إشارة إلى أنّ النبات كما يتوجه من نقص إلى كمال ، فكذلك الإنسان المؤمن يترقى من نقص إلى كمال ، ففي المعاد يصل إلى كماله الذي أعدّ له من البقاء والغنى والعلم والصفاء والخلود في دار السلام مبرأ عن عوارض هذا العالم ، ولما قرّر سبحانه هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب والنتيجة ، وذكر أموراً خمسة أحدها قوله تعالى: