وذكر المجادلين فيه بغير علم من داع ومدعو ضرب مثلاً فقال:(مَنْ كَانَ يَظُنُّ
أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ)أي: من كان يشك في نصر الله، أي: في حفظه إياه
حفظ الخلقة وغير ذلك؛ كقوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ)
وارتاب في إحاطة قدرته وشمول حفظه في إيجاد الموجودات ظاهرًا
وباطنًا، فليمدد بسبب حبل أو غيره إلى السماء سماء بيته أو إلى ما علاه،
فليستمسك به صعدًا فوق الأرض في الهواء، ثم ليقطع ذلك السبب، فلينظر هل
يثبت مكانه على حاله أو يقع بالأرض فيصيبه ما يغيظه من كسرٍ أو رضٍّ أو هلاك،
كذلك المخلوقات كلها يتسرب إليها الفناء والعدم ويسبق إليها كاستباق الثقيل إلى
الهوي، لولا يتسرب إيجاد الله وإتقانه وحفظه إليها أسرع من ذلك ما شاء أبقاها
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) .
فيمسك وجود الموجودات على ما هي عليه إمساكًا وحفظًا وكلاءة، ودفاعًا على
المقدر الذي شاءه فيها من الوجود، حتى لو توهم متوهم إزالة إمساكه هذا عن وجود
أي موجود كان لعارضه توهم وجوب ضد الإمساك، ولو تخلى عنه أدنى طرفة عين
لتدمدم ما تخلى عنه هذا في إمساك الخلقة، وأمَّا في إمساك الديانة والهداية والتوحيد
للمؤمنين هو السبب الموصل لهم إلى الله - جل ذكره - فلو توهم متوهم أيضًا إزالة
التوحيد عن الموحد لعارضه أيضًا وجوب ضد التوحيد وهو الشرك.
ولو كان لتدمدم وتدكدك دينه وتل عرشه، وإلى هذا الغرض أشار بقوله الحق:
(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ
سَحِيقٍ (31) . سماؤه هو توحيد في التأويل، وتخطف الطير له تضليل
الشَّيَاطِين له واستهواؤهم إياه، وتأويل الريح التي تهوي به: الأمر المبعد عن ربه -
عز جلاله - والمكان السحيق: هو جهنم، أعاذنا الله برحمته منها.
يقول: يموت فيصير إلى جهنم، والسحق البعد، ولا أبعد ممن هو في النار
الهاوية الحامية لمعهود هذه الدلالة وظهور شأنها، قال - وهو أعلم: (وَكَذَلِكَ ...(16) . كبيان