الأتباع والغاشية بئس ما عاشروا داعيتهم أصاروه حاملاً لأثقالهم وأثقالاً مع
أثقالهم.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... (14) . هذا قول من له دعوة الحق (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) هو
يملك النفع والضر، ويرزق من السَّمَاوات والأرض، لا إله إلا هو العلي الكبير، لما
ذكر المجادل في الله الداعي إلى نفسه والتابعين له ومبلغ قدرهم، وموالاة المتبوعين
ومعاشرة التابعين لهم، وأنهم لأعبائهم ولا نفع ولا دفع ذكر نفسه العلي الأعلى لما
هو عليه من نفع ودفع وعظيم غنى، وأنه يجعل مآل من آمن به وعمل الصالحات
خير مآل.
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ(15) .
هذا منتظم بما تقدم من معنى من عند من له دعوة الحق
وخلو ما يدعون من دونه، ذكر بعض العلماء أن هذه الهاء في النصرة عائدة على
النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأن نصره إياه إتمام أمره فيه وإعلاؤه على أعدائه، وهذا وإن كان حقا
إن الله ناصره ومتمم كلمته فيه وبه فلم يجر للرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل هذا ذكر ظاهر، وإن
كان هو المخاطب بالكلام فمن أجل ذلك أيضًا كأن يكون الكلام إليه بالمواجهة،
هذا إلى أن ذكر نصره إياه.
وإتمام أمره ليس بمتصل المعنى بما بعده من قوله:(فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ
ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ)والذي أراه - والله أعلم -
أنه لما ذكر فدرته على إحيائه الموتى، وبعثه أهل القبور، وتخليق النطف في
الأرحام، ونقلها في درجات التكوين، ثم إنشاءه إياها خلقًا آخر في طبقات الإنشاء،
ثم إلى آخر العمر ونحو ذلك، وجعل ذلك كله دليلاً ومدلولاً عليه، ووصف نفسه
بأنه على كل شيء قدير، وبأن له الوجود الحق العلي.