هذا (أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) ، ثُمَّ فتح"أن"تقدير الكلام فيها: أنزلناه آيات بينات، وفيه
(أَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ) لا يهتدي أحد من ذات نفسه، كما أنه ليس أحد يحفظ نفسه
إلا كسًبا للحفظ، الله يحفظه ويحفظ حفظه هو نفسه (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... (17) . هذا الكلام راجع معناه
إلى تطوير الناس في تحملهم في صدر السورة (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ)
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) .
ثم عم قوله - جلَّ جلالُه -: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ...(18) .
إلى قوله: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) انتظم هذا بمعنى ما تقدم
ذكره من ذكر إمساكه وحفظه وتعهده جميع المخلوقات بسريان الإيجاد والإعداد
والهداية والإضلال والإعدام على نحو ما تقدم ذكره في أثناء الكتاب؛ كجري الماء
إلى صببه فيما هي قائمة؛ لإقامة العالم ومنافع العباد هي مسخرة وبما هي مسخرة
لمن سخرت له، هي قانتة عابدة لمسخرها، وبما هي قائمة من الإيجاد والإعدام
والحفظ والترك، لكن الإيجاد والحفظ ظاهران وضدهما باطنًا، وهي مسبحة
وحامدة لموضع الإيجاد والإمساك مسبحة عن معنى الإعدام والافتقار.
ثم قال: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أي ساجد له عابد قانت ظاهره ذلك
فيه كونًا وشرعًا، أمَّا ظهور ذلك فيها كونًا، فلأجل التيسير لما يسرت له وأوجدت
إليه، وأمَّا ظهور ذلك فيها شرعًا فيما سخرت له من إقامة الأمر ومنافع العباد
(وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) لتركه العبادة الشرعية وتارك التسخير فاسق.
واعلم أن للموجودات تسبيحًا وعادة بينها وبين بارئها بصعدات إلى تسبيح
أمر الشرع وعبادته، وقد يطلع الله على ذلك من شاء من عباده، من أراده بذلك
كداوود وسُلَيْمَان والأنبياء، ومن شاء من الأولياء، والله على كل شيء قدير، ذو فضل عظيم يؤتيه من يشاء. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 4/ 46 - 56} ...