المَنْسَكُ هاهنا - والله أعلمُ - هو المَصْدَرُ، من: نَسَكَ يَنْسُكُ إذا ذَبَحَ القُرْبانَ، فأخبرَ اللهُ سبحانَهُ أَنَّهُ مشروعٌ لكلِّ أُمَّة، وليسَ من خصائصِ هذهِ الأمةِ.
وقد أجمعَ المسلمونَ على مَشْروعِيَّةِ التَّقَرُّبِ بالهَدْيِ والأُضْحِية.
فأَمّا الهَدْيُ، فقدْ تقدَّمَ ذكرُ انقسامهِ إلى واجبٍ ومُسْتَحَبٍّ، وأَمَّا الأضحِيَةُ، فاختلفَ أهلُ العلمِ فيها مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ.
فذهبَ قومٌ إلى أنها مشروعَةٌ على الوُجوبِ، وبهِ قالَ أبو حنيفةَ.
وذهبَ قومٌ إلى أنها على الاستحبابِ، وبه قالَ الشافعيُّ وعنْ مالكٍ روايتانِ كالمَذْهبين.
200 - (7) قوله عَز وجَل: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج: 36] .
البُدْنُ أَصْلُها الإِبِلُ المُبَدَّنة، ثمَّ صارَ اسمَ جِنْسٍ للإبِلِ.
ثمَّ قيل: معنى صَوَافَّ: مُصَطَفَّة، وقيل: مَعْقولَة، وقرأَ ابْنُ مَسعودٍ: (صَوَافِنَ) أي: معقولَةَ إِحْدى القوائم.
* واستحبَّ جمهورُ أهلِ العلمِ نَحْرَها على هذهِ الصِّفَةِ.
روينا في"صحيح مسلم"أَنَّ ابن عُمَرَ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهما - رأى قَوْما أَضْجَعوا بَدَنَة، فقال: قياما مُقَيَّدَة، سُنَّةَ نَبِيِّكُم - صلى الله عليه وسلم - .
وقال أبو حنيفةَ والثوري: يستوي نَحْرُها قِياماً، وباركَةً.
-ثمَّ أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالأكلِ والإطعامِ منها:
فمنَ الفقهاءِ من حملَ الأَمْرَيْنِ على الوُجوبِ، ومنْهم من حملهما على الاستحباب، ومنهم من استحبَّ الأكلَ وأوجبَ الإطعامَ، وقد تقدَّمَ ذكرُه قريبًا.
وقد استدَلَّ مَنْ قالَ بتثليثِ لَحْمِ الأُضْحِيَةِ إمَّا وُجوبًا وإمّا استِحْبابًا بقوله تعالى: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36] ، ولا دليلَ فيه على التقدير، ولا سيما مع معارضَةِ قولهِ تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28] .
* وقد اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في حقيقةِ القانعِ والمُعْتَرِّ:
فقيلَ: لقانعُ: الذي يسألُ، والمُعْتَرُّ: المُتَعَرِّضُ، قالَ الشاعرُ: [البحر الوافر]