* ومن تعظيمِ شعائرِ اللهِ تَعالى عندَ مالكٍ والشافِعيِّ وغيرهما ما اشتهرَ من عَمَلِ السلفِ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهم - منْ تَجْليل البُدْنِ بالثِّيَابِ، فكانَ بعضُ السَّلَفِ يُجَلِّلُها بالوَشْيِ، وبَعْضُهم بالحِبَرِ، وبعضُهم بالقَباطِي والمَلاحِفِ والأُزُرِ، وكانَ ابنُ عمرَ - رضيَ اللهُ تعالى عنهما - يُجَلّلُها الأَجْلالَ المُرْتَفِعَةَ منَ الأَنْماطِ والبُرودِ والحِبَرِ، وكان ابنُ عُمَرَ يَقِفُ بالهَدْيِ بعَرَفَةَ، ويَراهُ من تَعْظيمِها، وكانَ يقولُ: الهَدْي ما قُلِّدَ وأُشْعِرَ ووُقِفَ بِهِ بعرفَة.
* وأباحَ اللهُ سبحانَهُ لنا الانتفاعَ بهِا إلى أَجَل مُسَمًّى، واختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في هذا الأَجَلِ.
فقالَ أكثرُ المُفَسِّرينَ: هُوَ وَقْتُ تَسْمِيَتِهِ لَها هَدْياً، فَلَهُ أنْ ينتفعَ بركوبِها
ولبنِها ونَسْلِها وأَصْوافِها وأَوْبارِها، ما لَمْ يُسَمِّها هَدْياً، فإذا سَمّاها، انقطَعَتِ المنافِعُ.
وقالَ عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: هو وَقْتُ نَحْرِها، وبهِ قالَ عامَّةُ الفُقهاء؛ لأنها قبلَ تسميتِها وإيجابها لا تُسَمَّى شَعائِرَ، ولِما روى أبو هريرةَ - رضيَ اللهُ تعالى عنه -: أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَجُلاً يسوقُ بَدَنَةً، فقالَ:"ارْكَبْها"، فقال: إنَّها بَدَنة، فقالَ في الثانيةِ أوِ الثالثة:"ارْكَبْها وَيْلَكَ"، خَرَّجَه البخاريُّ ومسلمٌ.
ولكنهم اختلفوا:
فذهبَ بعضُ الظاهريةِ إلى جوازِ ركوبِها من غيرِ ضَرورةٍ ما لم يُضِرَّ بِها؛ لمطلق الأمرِ، ولمخالفةِ شعارِ الجاهليةِ من إكرامِ البَحيرَةِ والسَّائبة، وهو قولُ عروةَ بنِ الزبيرِ، ومالكٍ في روايةٍ عنه، وأحمدَ، وإسحاقَ.
وذهبَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ ومالِكٌ في الروايَةِ الصَّحيحةِ إلى جوازِ رُكوبِها عندَ الحاجةِ والضرورةِ دُونَ غيرِها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"ارْكَبْها"
بالمَعْروفِ إذا أُلْجِئْتَ إلَيْها حَتَّى تَجِدَ ظَهْراً"."
* وأما بيانُ المَحِلِّ، فقد تقدَّمَ ذِكْرُهُ في"سورةِ المائدة"، هَلْ هو مَكَّةُ، أو سائرُ الحَرَمِ؟!
199 - (6) قوله عَزَّ وجَلَّ: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34] .