ولما فيه من العَناءِ والنَّصَبِ، وقد قالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ لما أَعْمَرَها مِنَ التَّنْعيمِ:"ولكنها على قَدْرِ عَنائِكِ ونَصَبِك".
ولكونه وردَ عن السلف الصالح - رحمَهُم اللهُ تَعالى - فعلُه والترغيبُ فيه، وحُكِيَ من فعلِ النبيّ إبراهيمَ وإسماعيلَ - عليهما الصلاةُ والسلامُ - .
فإن قلتَ: فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَحُجَّ إلا راكباً، وقد قالَ:"خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ"، وهو يدلُّ على أن الركوبَ أفضلُ كما قالَ بهِ بعضُ العلماءِ، والشافعيُّ في القولِ الأخيرِ، واختارَهُ النَّواوِيُّ، ولما فيهِ من بَذْلِ النفقةِ، وقد قالَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشة:"ولكنها على نَصَبِكِ، أو قال: نَفَقَتِكِ".
قلنا: إنما حجَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - راكبًا حتى يظهر ليقتدى به ويستفتى، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -:"خُذوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ". فالركوبُ في حَقّهِ أَفْضَلُ منَ المَشْيِ؛ لعُمومِ المصلحةِ بركوبه - صلى الله عليه وسلم - .
ورُوي عنْ أبي حنيفةَ كراهَةُ المَشْيِ.
ولَفا رأى بعضُ المتأخرينَ من أَصْحابِه ما فيه منَ البُعْدِ، حَمَلَهُ على مَنْ يسوءُ خُلُقُهُ بالمشيِ، ويُجادِلَ رفيقَه، أو يَجْمَعُ بينَ الصَّوْمِ والمَشْيِ.
196 -197 (3 - 4) قوله عَز وجَل: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 28 - 29] .
أقول: اشتملتْ هاتانِ الآيتانِ على جُمَلٍ من الأَحْكامِ:
الجملةُ الأولى: المنافعُ المشهودَةُ.
قال الواحِدِيُّ: أكثرُ المفسرينَ جعلوها منافعَ الدنيا التي هي التجارةُ والأرزاقُ، وهو قولُ السُّدِّيُّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وابنِ عَبّاسٍ في روايةِ أبي رَزينٍ، فدلَّ على جَوازِ التجارةِ كقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] .
ومنهُمْ من خَصَّها بمنافعِ الآخِرَةِ، وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيّبِ والعَوْفِيِّ، واختيارُ الزَّجَّاجِ.
ومنهم مَنْ عَمَّمَها فيهما، وهو قولُ مجاهدٍ، وروايةُ عطاءٍ عنِ ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهم - .