تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ} الْآيَةِ
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} ، إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا إِلَى قَوْلِهِ: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْبُدْنِ، وَبِهَذِهِ الْبَهِيمَةِ مِنَ الْأَنْعَامِ
الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: كُلُّ هَدْيٍ وَاجِبٍ لَيْسَ بِكَفَّارَةٍ، وَلِإِسَاءَةٍ كَانَتْ مِنْ مُهْدِيهِ أُوجِبَ ذَلِكَ الْهَدْيُ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ، وَكَهَدْيِ الْقِرَانِ، وَكَهَدْيِ التَّطَوُّعِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ، وَكُلُّ هَدْيٍ مِنْ هَدَايَا التَّطَوُّعِ لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ فَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَكُلُّ هَدْيٍ يَكُونُ كَفَّارَةً لِإِسَاءَةٍ كَانَتْ مِنْ مُهْدِيهِ، أَوْجَبَتْ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْهَدْيَ فِي الْإِحْرَامِ، وَعَنْ تَرْكِ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ الَّتِي تَجِبُ عَلَى تَارِكِهَا الدِّمَاءُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مِنْهُم أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يِوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، كَمَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَحْكِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَهُمْ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: يُؤْكَلُ مِنَ الْهَدَايَا كُلِّهَا إِلَّا جَزَاءَ الصَّيْدِ، وَنُسُكَ الْأَذَى، وَنَذْرَ الْمَسَاكِينَ، وَهَدْيَ التَّطَوُّعِ إِذَا قَصَرَ عَنْ بُلُوغِ مَحِلَّهُ، وَعَطِبَ دُونَ ذَلِكَ وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَا كَانَ