قال الشوكاني في الفتح الرباني: علم أنه قد وجد في الخضر عليه السلام المقتضى للمجيء بنون العظمة لما تفضل الله به عليه من العطايا العظيمة والمواهب الجسيمة التي من جملتها العلم الذي فضله الله به حين أخبر موسى عليه السلام لما سأله هل في الأرض أعلم منه؟ فقال عبدنا خضر كما هو ثابت في الصحيح، كان هذا وجهاً صحيحاً ومسوغاً صحيحاً للمجيء بنون العظمة تارة وعدم المجيء بها أخرى، فقال فأردت أن أعيبها، وقال فأردنا ملاحظاً في أحد الموضعين لما يستحقه من التعظيم تحدثاً بنعمة الله سبحانه عليه وفي الموضع الآخر قاصداً للتواضع وأنه فرد من أفراد البشر غير ناظر إلى تلك المزايا التي اختصه الله بها سبحانه مع كون ذلك هو الصيغة التي هي الأصل في تكلم الفرد.
ْومع هذا ففي تلوين العبارة نوع من الحسن آخر وهو الافتنان في الكلام فإنه أحسن تطرية لنشاط السامع وأكثر إيقاظاً له، كما قيل في نكتة الالتفات، ويمكن أن يقال إن خرق السفينة لما كان باعتبار تحصيل مسماه أمراً يسيراً فإنه يحصل بنزع لوح من ألواحها، قال (فأردت أن أعيبها) ولما كان القتل مما تتعاظمه النفوس وتدخل فاعله الروعة العظيمة نزل منزلة ما لا يقدر عليه إلا جماعة. ويمكن أيضاً وجه ثالث وهو أن يقال لما كان خرق السفينة مما يمكن تداركه بأن يرد اللوح الذي نزعه كان ذلك وجهاً للإفراد لأنه يسير بالنسبة إلى ما لا يمكن تداركه وهو القتل.
وأما قوله (فأراد ربك) فوجه نسبة الإرادة إلى الرب سبحانه أن هذه الإرادة وقعت على قوله أن يبلغا أشدهما، ومعلوم أن ذلك لا يكون من فعل البشر ولا بإرادته لأن بقاءهما في الحياة حتى يبلغا الأشد لا يدخل تحت طاقة البشر ولا يصح نسبته إلى غير الرب عز وجل؛ ولهذا يقول الخضر (رحمة من ربك وما فعلته عن أمري) هذا ما خطر بالبال عند الوقوف على هذه الآية، ولم أقف على كلام لأحد من أهل التفسير فيما يتعلق بذلك أهـ.