82 - {وَأَمَّا الْجِدَارُ} الذي سويته وأصلحته {فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ} اسمهما أصرم وصريم ابنا كاشح، وكان سياحًا تقيًا، واسم أمهما دنيا، فيما ذكره النقاش كائنين {فِي الْمَدِينَةِ} وهي القرية المذكورة سابقًا، وهي أنطاكية، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة وعبر عنها بالقرية فيما تقدم تحقيراً لها, لخسة أهلها، وعبر عنها هنا بالمدينة تعظيمًا لها، من حيث اشتمالها على هذين الغلامين وعلى أبيهما اهـ شيخنا {وَكَانَ تَحْتَهُ} ؛ أي: تحت ذلك الجدار {كَنْزٌ لَهُمَا} ؛ أي: مال مدفون لهما، من ذهب وفضة {وَكَانَ أَبُوهُمَا} أي: أبو الغلامين {صَالِحًا} كان الناس يضعون الودائع عند ذلك الصالح، فيردها إليهم سالمة، فحفظا بصلاح أبيهما في مالهما وأنفسهما، قال جعفر بن محمد: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء، فيكون الذي دفن ذلك الكنز جدهما السابع {فَأَرَادَ رَبُّكَ} يا موسى بالأمر بتسوية الجدار؛ أي: مالكك ومدبر أمرك، وأضاف الرب إلى ضمير موسى تشريفًا له.
{أَنْ يَبْلُغَا} ؛ أي: أن يبلغ الغلامان {أَشُدَّهُمَا} ؛ أي: حلمهما وكمال رأيهما، وتمام نموهما {وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا} من ذلك الموضع الذي عليه الجدار، ولولا أني أقمته لانقضّ وخرج الكنز من تحته، قبل اقتدارهما على حفظ المال، وتنميته وضاع بالكلية {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} لهما مصدر في موقع الحال؛ أي: مرحومين من قبله تعالى، أو علة لإرادة، فإن إرادة الخير رحمة، أو مصدر لمحذوف؛ أي: رحمهما الله سبحانه بذلك رحمة {وَمَا فَعَلْتُهُ} ؛ أي: وما فعلت ما رأيته يا موسى من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار {عَنْ أَمْرِي} ؛ أي: عن رأيي واجتهادي، وإنما فعلته بأمر الله، ووحيه، وهذا إيضاح لما أشكل على موسى، وتمهيد للعذر في فعله المنكر ظاهرًا، والمعنى؛ أي: وما فعلت الذي رأيتني أفعله، عن رأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلته عن أمر الله إياي به، لأن الإقدام على تنقيص أموال الناس، وإراقة دمائهم، لا يجوز إلا بالوحي والنص القاطع.