وقوله تعالى: {فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} أخبر الله تعالى أنهم لما هربوا عمن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى: {فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} أي: أعطنا من عندك مغفرة ورزقًا.
قال ابن عباس: (يريدون تغنينا بها عن جميع من سواك) ، يعني أن قولهم: {مِنْ لَدُنْكَ} تتضمن هذا المعنى.
وقوله تعالى: {وَهَيِّئْ لَنَا} أي: أصلح، من قولك: هيأت الأمر فتهيأ {مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} الرَّشَد، والرُّشْد، والرَّشاد، والرّشَاد: نقيض الضلال.
قال أبو إسحاق: (أي أرشدنا إلى ما يقرب منك ويزلف عندك) وهذا معنى قول ابن عباس: (أرشد أفعالنا إلى محبتك) . وقال أهل المعاني: (تقدير الآية: هيئ لنا من أمرنا ذا رشد) . أي: أمر ذا رشد. فحذف الموصوف، ثم حذف المضاف أيضًا، كأنهم قالوا: هيئ لنا من أمرنا ما نصيب به الرشد.
11 -قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ} قال المفسرون: (معناه: أنمناهم) .
قال أبو إسحاق: (أي منعناهم أن يسمعوا؛ لأن النائم إذا سمع انتبه) . فالمعنى: أنمناهم ومنعناهم السمع. وهذا معنى قول ابن عباس: (فضربنا على آذانهم بالنوم) . والمعنى: سددنا آذانهم بالنوم الغالب عن نفوذ الأصوات إليها، ومن هذا النظم قال الأسود بن يَعْفُر:
ومن الحَوادِثِ لا أَبالَكِ أَنَّثِي ... ضربَتْ عليَّ الأرضُ بالأسْدَادِ
وذلك أنه كان ضريرًا لا يتمكن من المشي في الأرض، فكأن الأرض قد ضربت بالأسداد عليه، حيث منع من التصرف.