وموضح (ريب) نصب، قال سيبويه: (لا) تعمل فيما بعدها فتنصبه، ونصبها لما بعدها كنصب (إن) إلا أنها تنصب بغير تنوين. وإنما شبه (لا) بـ (إن) ، لأن (إن) للتحقيق في الإثبات، و (لا) في النفي، فلما كان (لا) تقتضي تحقيق النفي، كما تقتضي (إن) تحقيق الإثبات أجري مجراه. وزعم سيبويه أنها مع ما بعدها بمنزلة شيء واحد؛ لأنها جواب لما يكون بمنزلة شيء واحد، ولذلك لم ينون وبني على الفتحة، كأنها جواب قول
القائل: هل من رجل في الدار؟، فـ (من) مع رجل كشيء واحد. فإن قيل: فما أنكرت أن يكون جواب هل رجل في الدار؟ قيل: معنى (لا رجل في الدار) ، عمهم النفي، لا يجوز أن يكون في الدار رجل، ولا أكثر منه، وكذلك (هل من رجل في الدار) استفهام عن الواحد وأكثر منه.
فإن قلت: (هل رجل في الدار) أو (لا رجلٌ في الدار) ، جاز أن يكون في الدار رجلان، لأنك إنما أخبرت أنه ليس فيها واحد، فيجوز أن يكون فيها أكثر منه، فإذا قلت: (لا رجلَ في الدار) ، فهو نفي عام، وكذلك {لا رَيْبَ فِيهِ} وموضع {لا رَيْبَ} رفع بالابتداء عند سيبويه، لأنه بمنزلة خمسة عشر، إذا ابتدأت به، ولهذا جاز العطف عليه بالرفع في قوله:
لا أُمَّ لي إنْ كان ذَاكَ ولا أَبُ
ومن نصب المعطوف فهو عاطف على اللفظ. وسنستقصي الكلام في هذا عند قوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ (197) } [البقرة: 197] ، إن شاء الله.
وقوله تعالى: {فِيهِ} . يجوز: أن تجعله خبرا للابتداء الذي هو {لَا رَيْبَ} ويجوز: أن تجعله صفة لقوله {لَا رَيْبَ} ، وإذا جعلته صفة أضمرت الخبر، كأنه قيل: لا ريب فيه واقع أو كائن، فإن جعلته خبرا كان موضعه رفعا من وجهين:
أحدهما: بكونه خبرًا للمبتدأ. والثاني: من حيث كان خبر إن رفعا، وقد ذكرنا أن (لا) بمنزلة (إن) .
وإن جعلت (فيه) صفة، ولم تجعله خبرا، كان موضعه نصبا في قول من وصف على اللفظ، [كما عطف على اللفظ] في قوله:
فلا أبَ وابْنًا مِثْلُ مَرْوانَ
ومن وصفه على الموضع، كما عطف على الموضع في قوله:
لا أمَّ لي إنْ كان ذَاكَ ولا أَبُ
كان موضعه على هذا رفعا. وفي قوله: {فِيهِ} : قراءتان، إشباع (الهاء) حتى تلحق به (ياء) وكذلك في (الهاء) المضمومة مثل (منهو) و (عنهو) ، وهو مذهب ابن كثير.
والباقون يقتصرون على الضمة والكسرة.