وروى الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال يومئذٍ:"لَئِن ظفرتُ بقاتل حمزة لأمثلنَّ به مثلة تتحدث بها العرب"، وكانت هند وآخرون معها قد مثّلوا به ، فنزلت هذه الآية.
والثاني: أنه أصيب من الأنصار يوم أُحدٍ أربعة وستون ، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة ، ومثَّلوا بقتلاهم ، فقالت الأنصار: لَئِن أصبنا منهم يوماً من الدهر ، لنزيدنَّ على عِدَّتهم مرتين ، فنزلت هذه الآية ، قاله أُبيُّ بن كعب.
وروى أبو صالح عن ابن عباس أن المسلمين قالوا: لَئِن أمكننا الله منهم ، لنمثِّلنَّ بالأحياء فضلا عن الأموات ، فنزلت هذه الآية.
يقول: إِن كنتم فاعلين ، فمثِّلوا بالأموات ، كما مثَّلوا بأمواتكم.
قال ابن الأنباري: وإِنما سمى فعل المشركين معاقبةً وهم ابتدؤوا بالمثلة ، ليزدوج اللفظان ، فيخف على اللسان ، كقوله: {وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها} [الشورى: 40] .
فصل
واختلف العلماء ، هل هذه [الآية] منسوخة ، أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها نزلت قبل {براءة} فأُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل من قاتله ، ولا يبدأ بالقتال ، ثم نُسخ ذلك ، وأُمر بالجهاد ، قاله ابن عباس ، والضحاك ، فعلى هذا يكون المعنى: {ولئن صبرتم} عن القتال ، ثم نسخ هذا بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] .
والثاني: أنها محكمة ، وإِنما نزلت فيمن ظُلِم ظُلامة ، فلا يحلُّ له أن ينال من ظالمه أكثر مما ناله الظالم منه ، قاله مجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، وابن سيرين ، والثوري ، وعلى هذا يكون المعنى: ولئن صبرتم عن المثلة ، لا عن القتال.
قوله تعالى: {واصبر وما صبرك إِلاَّ بالله} أي: بتوفيقه ومعونته.
وهذا أمر بالعزيمة.
وفي قوله: {ولا تحزن عليهم} قولان:
أحدهما على كفار مكة إِن لم يُسلموا ، قاله أبو صالح عن ابن عباس.