قَوْله تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى"قَوْله تَعَالَى:"بِالْعَدْلِ": وَهُوَ مَعَ الْعَالَمِ، وَحَقِيقَتُهُ التَّوَسُّطُ بَيْنَ طَرَفَيْ النَّقِيضِ، وَضِدُّهُ الْجَوْرُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْبَارِيَ خَلَقَ الْعَالَمَ مُخْتَلِفًا مُتَضَادًّا مُتَقَابِلًا مُزْدَوِجًا، وَجَعَلَ الْعَدْلَ فِي اطِّرَادِ الْأُمُورِ بَيْنَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ جَارِيًا فِيهِ عَلَى الْوَسَطِ فِي كُلِّ مَعْنًى، فَالْعَدْلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ إيثَارُ حَقِّ اللَّهِ عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ، وَتَقْدِيمُ رِضَاهُ عَلَى هَوَاهُ، وَالِاجْتِنَابُ لِلزَّوَاجِرِ، وَالِامْتِثَالُ لِلْأَوَامِرِ."
وَأَمَّا الْعَدْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فَمَنْعُهَا عَمَّا فِيهِ هَلَاكُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى} وَعُزُوبُ الْأَطْمَاعِ عَنْ الِاتِّبَاعِ، وَلُزُومُ الْقَنَاعَةِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَمَعْنًى.
وَأَمَّا الْعَدْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ فَفِي بَذْلِ النَّصِيحَةِ، وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ، وَالْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِك لَهُمْ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَلَا يَكُونُ مِنْك إلَى أَحَدٍ مَسَاءَةٌ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ، لَا فِي سِرٍّ وَلَا فِي عَلَنٍ، حَتَّى بِالْهَمِّ وَالْعَزْمِ، وَالصَّبْرُ عَلَى مَا يُصِيبُك مِنْهُمْ مِنْ الْبَلْوَى، وَأَقَلُّ ذَلِكَ الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِك وَتَرْكُ الْأَذَى.