وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً. وما جعل من السهل أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال؟ ألا ترى إلى قوله: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ وما جعل لهم من غير ذلك أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر؟ ألا ترى قوله: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ (النور: 43) لعجبهم من ذلك وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفونه؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وما تقي من البرد أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب حر.
والذي أقوله: إن هذا القرآن خاطب البشر كلهم بما يسع البشر جميعا، ومن إعجازه أن هذا الخطاب للبشر كان من الإعجاز بحيث وسع العصور والأقوام بما يقربهم ولا يبعدهم، وبما يألفون، لا بما ينكرون، ومن ثم نجد أهل كل عصر فهموا القرآن
بثقافة عصرهم، ولم يجدوا فيه مستنكرا، وهكذا، ومن ثم فإنه ما دام يخاطب العرب أولا فإن العربي يشعر أنه يخاطب من حيث يعرف.
8 - [مشهد من مشاهد يوم القيامة وعذاب الكافرين فيه]
(بمناسبة قوله تعالى: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يقول ابن كثير: «فإنه إذا جئ بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فيشرف عنق منها على الخلائق، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه فتقول: إنّي وكّلت بكل جبار عنيد، الذي جعل مع الله إلها آخر وبكذا، وبكذا، وتذكر أصنافا من الناس كما جاء في الحديث، ثم تنطوي عليهم وتتلقّطهم من الموقف كما يتلقط الطائر الحب. قال الله تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً* وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً*، لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً.(الفرقان: 12 - 14) وقال تعالى:
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً. (الكهف: