ومن معاني الضلال: النسيان ، ومنه قوله تعالى: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى . .} [البقرة: 282] .
ومن معانيه: التردد ، كما في قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى} [الضحى: 7] .
فلم يكُنْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهج ثم تركه وانصرف عنه وفارقه ، ثم هداه الله . . بل كان صلى الله عليه وسلم مُتحيّراً مُتردّداً فيما عليه سادة القوم وأهل العقول الراجحة من أفعال تتنافى مع العقل السليم والفطرة النَّيرة ، فكانت حيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يراه من أفعال هؤلاء وهو لا يعرف حقيقتها .
فقوله:
{وَضَلَّ عَنْهُم . .} [النحل: 87] .
أي: غاب عنهم:
{مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [النحل: 87] .
أي: يكذبون من ادعائهم آلهة وشفعاءَ من دون الله .
ثم يقول الحق سبحانه: {الذين كَفَرُواْ . .} .
هنا فرْق بين الكفر والصَّدِّ عن سبيل الله ، فالكفر ذنب ذاتيّ يتعلق بالإنسان نفسه ، لا يتعدّاه إلى غيره . . فَاكفُرْ كما شئت والعياذ بالله أنت حر!!
أما الصدُّ عن سبيل الله فذنبٌ مُتعدٍّ ، يتعدَّى الإنسان إلى غيره ، حيث يدعو غيره إلى الكفر ، ويحمله عليه ويُزيّنه له . . فالذنب هنا مضاعف ، ذنب لكفره في ذاته ، وذنب لصدّه غيره عن الإيمان ، لذلك يقول تعالى في آية أخرى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ . .} [العنكبوت: 13] .
فإنْ قال قائل: كيف وقد قال تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى . .} [الأنعام: 164] .
نقول: لا تعارضَ بين الآيتين ، فكل واحد سيحمل وزْره ، فالذي صَدَّ عن سبيل الله يحمل وِزْرَيْن ، أما مَنْ صدَّه عن سبيل الله فيحمل وِزْر كفره هو .
وقوله:
{زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العذاب . .} [النحل: 88] .
العذاب الأول على كفرهم ، وزِدْناهم عذاباً على كفر غيرهم مِمَّنْ صدُّوهم عن سبيل الله .