{بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن} [سبأ: 41] يعنون أن الجن هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لا نحن ، والشياطين وإن كانوا راضين بعبادتهم لهم لكنهم لم يكونوا حاملين لهم على وجه القسر والالجاء كما قال إبليس: {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى} [إبراهيم: 22] فكأنهم قالوا: ما عبدتمونا حقيقة وإنما عبدتم أهواءكم ، وقيل: يجوز أن يكون الشياطين كاذبين في أخبارهم بكذب من عبدهم كما كذب إبليس عليه اللعنة في قوله: {إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} [إبراهيم: 22] وجوز أن يكون التكذيب راجعاً إلى أنهم شركاء لله سبحانه لا إلى أنهم كانوا يعبدونهم ومرادهم تنزيه الله جل وعلا عن الشريك في ذلك الموقف ، وخص هذا بعضهم بتقدير إرادة الشياطين من الشركاء فافهم ، والظاهر أن قائل هذا جميع الشركاء ولا يمنع من ذلك تفسيره بما يعم الأصنام إذ لا بعد في أن ينطقها الله تعالى الذي أنطق كل شيء بذلك ، وجوز على التعميم أن يكون القائل بعضهم وهو من يعقل منهم ؛ وكان الظاهر فقالوا لهم أنكم لكاذبون إلا أنه عدل إلى ما في"النظم الكريم"للإشارة إلى أنهم قالوا ذلك لهم على وجه الإفصاح بحيث يدرك ويمتاز عن غيره ، وفيه من الإشعار بالحرص على تكذيبهم ما فيه ، ويؤيد ذلك تأكيدهم الجملة الدالة على تكذيبهم أتم تأكيد ، وهي في موضع البدل من القول كما قال الإمام أي ألقوا إليهم أنكم لكاذبون.
{وَأَلْقَوْاْ} أي الذين أشركوا ، وقيل: هم وشركاؤهم جميعاً ، والأكثرون على الأول {إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم} الاستسلام الانقياد لحكمه تعالى العزيز الغالب بعد الإباء والاستكبار في الدنيا فلم يكن لهم إذا ذاك حيلة ولا دفع.