وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ أَدَاءَ الْفَرَائِضِ هِيَ الْإِسْلَامُ حَسْبَمَا فَسَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ، وَذَلِكَ هُوَ الْعَدْلُ، وَإِنَّمَا الْإِحْسَانُ التَّكْمِيلَاتُ وَالْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ حَسْبَمَا يَقْتَضِيهِ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ بِقَوْلِهِ: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) .
فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّمَا أَرَادَ الْفَرَائِضَ مُكَمَّلَةً.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْعَدْلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ إِيثَارُ حَقِّهِ تَعَالَى عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ، وَتَقْدِيمُ رِضَاهُ عَلَى هَوَاهُ، وَالِاجْتِنَابُ لِلزَّوَاجِرِ وَالِامْتِثَالُ لِلْأَوَامِرِ.
وَأَمَّا الْعَدْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فَمَنْعُهَا مِمَّا فِيهِ هَلَاكُهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى) وَعُزُوبُ الْأَطْمَاعِ عَنِ الْأَتْبَاعِ، وَلُزُومُ الْقَنَاعَةِ فِي كُلِّ حَالٍ وَمَعْنًى.
وَأَمَّا الْعَدْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ فَبَذْلُ النَّصِيحَةِ، وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ، وَالْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ لَهُمْ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَلَا يَكُونُ مِنْكَ إِسَاءَةٌ إِلَى أَحَدٍ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ لَا فِي سِرٍّ وَلَا فِي عَلَنٍ، وَالصَّبْرُ عَلَى مَا يُصِيبُكَ مِنْهُمْ مِنَ الْبَلْوَى، وَأَقَلُّ ذَلِكَ الْإِنْصَافُ وَتَرْكُ الْأَذَى.
قُلْتُ: هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْعَدْلِ حَسَنٌ وَعَدْلٌ، وَأَمَّا الْإِحْسَانُ فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: الْإِحْسَانُ مَصْدَرُ أَحْسَنَ يُحْسِنُ إِحْسَانًا.
وَيُقَالُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: أَحْسَنْتُ كَذَا، أي حسنته وكلمته، وَهُوَ مَنْقُولٌ بِالْهَمْزَةِ مِنْ حَسَّنَ الشَّيْءَ.
وَثَانِيهُمَا مُتَعَدٍّ بِحَرْفِ جَرٍّ، كَقَوْلِكَ: أَحْسَنْتُ إِلَى فُلَانٍ، أَيْ أَوْصَلْتُ إِلَيْهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ.