(أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ(17)
«فإن قلت» : (كَمَنْ لا يَخْلُقُ) أريد به الأصنام، «1» فلم جيء بـ (مَنْ) الذي هو لأولي العلم؟
قلت: فيه أوجه:
أحدها: أنهم سموها آلهة وعبدوها، فأجروها مجرى أولي العلم.
ألا ترى إلى قوله على أثره (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) .
والثاني: المشاكلة بينه وبين من يخلق.
والثالث: أن يكون المعنى أنّ من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم، فكيف بما لا علم عنده، كقوله (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها) يعني أنّ الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب، لأنّ هؤلاء أَحياء وهم أموات، فكيف تصح لهم العبادة؟ لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصحّ أن يعبدوا.
«فإن قلت» : هو إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيهًا بالله، فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق، فكان حق الإلزام أن يقال لهم: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟
قلت: حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له وسوّوا بينه وبينه، فقد جعلوا الله تعالى من جنس المخلوقات وشبيهًا بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
(1) قال محمود: «إن قلت (من لا يخلق) أريد به الأصنام ... الخ»
قال أحمد: هو تحوم على أن العباد يخلقون أفعالهم، وأن المراد إظهار التفاوت بين من يخلق منهم ومن لا يخلق كالعاجزين والزمني، حتى يثبت التفاوت بين من يخلق منهم وبين الأصنام بطريق الأولى، ولقد تمكن منه الطمع حتى اعتقد أنه يثبت خلق العبد لأفعاله بتنزيله الآية على هذه التأويل، ويتمني لو تم له ذلك.
وما كل ما يتمني المرء يدركه