وأجيب بأنه إنما راعى الأدب وإلا فليس فعل الشيطان إلا الوسوسة ، وأما صرف الداعية إلى الشر فلا يقدر عليه إلا الله فإن العاقل لا يريد ضرر نفسه. {إن ربي لطيف لما يشاء} فإذا أراد حصول أمر هيأ أسبابه وإن كان في غاية البعد عن الأوهام. {إنه هو العليم} بالوجه الذي تسهل به الصعاب {الحكيم} في أفعاله حتى تجيء على الوجه الأصوب والنحو الأصلح. يحكى أن يوسف أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الورق والذهب وخزائن الحلي والثياب والسلاح وغير ذلك ، فلما أدخله خزائن القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل! قال: أمرني جبريل. قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: {وأخاف أن يأكله الذئب} [يوسف: 13] قال: فهلا خفتني. ثم إن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة. فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له قال: {رب آتيتني من الملك} شيئاً من ملك الدنيا أو من ملك مصر لأنه كان دون ملك فوقه {وعلمتني من تأويل الأحاديث} بعضاً من ذلك لأنه لا يمكن أن يحصل للإنسان في العمر المتناهي والاستعداد المعين المحصور سوى المتناهي من السعادات الدنيوية والكمالات الأخروية {فاطر السماوات والأرض} منادى ثان أو صفة النداء الأول أي مبدعهما على النحو الأفضل من مادة سابقة كالدخان أو من عدم محض {أنت وليي في الدنيا والآخرة} لا يتولى إصلاح مهماتي في الدارين غيرك. ولما قدم النداء والثناء كما هو شرط الأدب الحسن ذكر المسألة فقال {توفني مسلماً} أراد الوفاة على حال الإسلام والختم بالحسنى كقول يعقوب لولده: {ولا تموتن إلى وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] {وألحقني بالصالحين} من آبائي أو على العموم.