الثاني: قص كثير نبأ استقرار يعقوب وآله بمصر . ومجمله: أن يوسف اختار لمستقرهم أرض جاسان ، فلما دخلوا مصر أخبر يوسف فرعون بقدوم أبيه وإخوته وجميع ما لهم إلى أرض جاسان ، ثم أدخل أباه على فرعون ، فأكرمه وكلمه حصة . وسأله عن عمره ، فأجابه: مائة وثلاثون سنة ، وأقطعه وبنيه أجود أرض في مصر ، وهي أرض رعمسيس ، أي: عين شمس ، وملكها إياهم ، ودعا له يعقوب ثم انصرف . ثم أخذ يوسف خمسة من إخوته ، فمثلهم بين يدي فرعون ، فقال لهم: ما حرفتكم فأجابوه - كما أوصاهم يوسف -: نحن وآباؤنا رعاة غنم ! فقال فرعون ليوسف: إن كنت تعلم أن فيهم ذوي حذق ، فأقمهم وكلاء على ماشيتي . وأجرى يوسف لأبيه وإخوته وسائر أهله طعاماً على حسبهم . وأقاموا في أرض مصر بجاسان فتملكوا فيها ونموا وكثروا جداً ، وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة ، فكانت مدة عمره كله مائة وسبعاً وأربعين سنة . ولما دنا أجله قال ليوسف: لا تدفني بمصر إذا مت ، بل احملني منها إلى مدفن آبائي ، فأجابه لذلك . ثم بعد مدة أخبر يوسف بمرض أبيه ، فأخذ ولديه وسار إلى أبيه ، فانتعش أبوه بمقدمه ، ورأى ولديه ، فقال: من هذان ؟ فقال: ابناي رزقنيهما الله ها هنا . فقال: أدنهما مني ، فأدناهما ، فقبلهما ، ودعا لهما ، وقال له: لم أكن أظن أني أرى وجهك ، والآن أراني الله نسلك أيضاً . ثم أعلم يوسف بدنو أجله ، وبشره بأن الله سيكون معكم ، ويردكم إلى أرض آبائكم ، ثم دعا بقية بنيه ، ودعا لهم بالبركة ، وأوصاهم بأن يضموه إلى قومه ، ويدفنوه مع آبائه في المغارة التي في حبرون ، وهي المعروفة اليوم بمدينة الخليل ، فإن فيها دفن إبراهيم ، وسارة امرأته ، وإسحاق ورفقة زوجته ، وليأة امرأة يعقوب . ولما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه فاضت روحه ، فوقع يوسف على وجه أبيه ، وبكى وقبله . ثم أمر الأطباء أن يحنطوه ويصبروه . ولما انقضت أيام التعزية به ، استأذن يوسف فرعون بأن يبرح لدفن أبيه