58 - {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} إلى مصر من أرض كنعان؛ ليمتاروا حين أصاب أرض كنعان وبلاد الشام ما أصاب مصر من القحط والجوع، وكان قد حلّ بآل يعقوب ما حلّ بأهلها، فدعا أبناءه ما عدا بنيامين؛ وهم عشرة، فقال لهم: يا بني قد بلغني أن بمصر ملكًا صالحًا يبيع الطعام، فتجهزوا إليه، واقصدوه واشتروا منه ما تحتاجون إليه، فخرجوا حتى قدموا مصر {فَدَخَلُوا عَلَيْهِ} ؛ أي: على يوسف، وهو في مجلس ولايته؛ لأن أمر الميرة وشراء الغلال كان بيده ورهن أمره {فَعَرَفَهُمْ} يوسف حين دخلوا عليه بلا تردد، ولا شك؛ لأنه فارقهم وهم رجال، ولم يزل عددهم وشكلهم وزيهم عالقًا بخياله؛ لنشوئه بينهم، ولا سيما ما قاساه منهم في آخر عهده بهم وربما كان عمال يوسف عليه السلام وعبيده قد سألوهم عن أمرهم قبل أن يدخلوهم عليه، وأخبروه بأوصافهم، والبيئة التي رحلوا منها {وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} ، لنسيانهم له بطول العهد، وتغير شكله بدخوله في سن الكهولة، ولأنهم فارقوه صبيًّا يباع بالدراهم في أيدي السيارة بعد أن أخرجوه من الجبّ، ودخلوا عليه الآن، وهو رجل عليه أبهة الملك؛ أي: عظمته ورونق الرئاسة؛ أي: زينتها، وعنده الخدم والحشم. وقيل: إنهم أنكروه لكونه كان في تلك الحال على هيئة ملك مصر ولبس تاجه وتطوق بطوقه. وقيل: كانوا بعيدًا عنه، فلم يعرفوه. وقيل: غير ذلك. فكل ذلك مما يحول دون التثبت من معارف وجهه، ولا سيما أنهم كانوا يظنون أنه قد هلك، أو طوحت به طوائح الأيام، ولو كانوا قد فطنوا لبعض ملامحه وتذكروه بها .. لربما عدوه مما يتشابه فيه بعض الناس ببعض في العادات، وبخاصة أنه لم يكن يدور بخلدهم أن أخاهم قد وصل إلى ذلك المركز السامي.