وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة"الحجر"إن شاء الله تعالى.
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ}
فيه خمس مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ} "ظن"هنا بمعنى أيقن ، في قول أكثر المفسرين وفسره قتادة على الظن الذي هو خلاف اليقين ؛ قال: إنما ظنّ يوسف نجاته لأن العابر يظن ظنًّا وربك يخلق ما يشاء ؛ والأوّل أصح وأشبه بحال الأنبياء وأن ما قاله للفتيين في تعبير الرؤيا كان عن وحي ، وإنما يكون ظنا في حكم الناس ، وأما في حق الأنبياء ، فإن حكمهم حق كيفما وقع.
الثانية: قوله تعالى: {اذكرني عِندَ رَبِّكَ} أي سيّدك ، وذلك معروف في اللغة أن يقال للسّيد ربّ ؛ قال الأعشى:
رَبِّي كريمٌ لا يُكَدِّرُ نِعْمةً ...
وإذا تُنُوشِدَ في المَهَارِقِ أنْشَدَا
أي اذكر ما رأيته ، وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملك ، وأخبره أنِّي مظلوم محبوسٌ بلا ذنب.
وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يَقُلْ أحدُكم اسق ربَّك أطعمْ ربك وضِّىءْ ربَّك ولا يَقل أحدُكم ربِّي ولْيقل سيّدي مولاي ولا يقلْ أحدُكم عبدي أمَتي ولْيقلْ فَتايَ فَتَاتِي غلامي"وفي القرآن:"اذكرني عِندَ رَبِّكَ""إِلَى رَبِّكَ""إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ"أي صاحبي ؛ يعني العزيز.
ويقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد رَبَّهُ يَرُبُّهُ ، فهو رَبٌّ له.
قال العلماء قوله عليه السلام:"لا يَقُلْ أحدُكم""ولْيقلْ"من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى ؛ لا أن إطلاق ذلك الاسم محرّم ؛ ولأنه قد جاء عنه عليه السلام:"أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا"أي مالكها وسيّدها ؛ وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ ؛ فكان محل النهي في هذا الباب ألاّ نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن.