وقد حاول يوسف عليه السلام أن يهديهم إلى عباد الإله الواحد ، وقال لهم من بعد ذلك ما جاء به الحق سبحانه: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ...} .
ونلحظ أن يوسف عليه السلام لم يتكلم حتى الآن مع السجينين عن مطلوبهما منه ، وهو تأويل الرُّؤيَتَيْنِ ، وهو لو تكلم في المطلوب منه أولاً ؛ لانصرف ذِهْن وانتباه كُلٍّ من السجينين إلى قضاء حاجتهما منه ؛ ولن يلتفتا بعد ذلك إلى ما يدعو إليه ؛ ولأن الذي يدعو إليه هو الأمر الأبْقى ، وهو الأمر العام الذي يتعلق بكل حركة من حركات الحياة .
وبذلك كان يوسف عليه السلام يؤثر السجينين ؛ فقد أراد أن يلفتهما إلى الأمر الجوهري قبل أن يتحدث عن الجزئية الصغيرة التي يسألانِ فيها ؛ وأراد أن يُصحِّح نصرة الاثنين إلى المنهج العام الذي يدير به الإنسان كل تفاصيل الحياة وجزئياتها ؛ وفي هذا إيثار لا أثرة .
وهنا قال الحق سبحانه على لسان يوسف عليه السلام:
{مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ ...} [يوسف: 40] .
أي: أن ما تعبدونه من آلهة مُتعدِّدة هو مُجرَّد عبادة لأسماء بلا معنى ولا وجود ؛ أسماء ورثتموها عن آبائكم أو أنشأتموها أنتم ، فكفرتُمْ بإنشاء أسماء لآلهة غير موجودة ، كما كفر آباؤكم كُفْر نسيان التكليف أو إنكار التكليف .
وتُوضع الأسماء عادةً للدلالة على المُسمَّى ؛ فإذا نطقنا الاسم تجيء صورة المسمى إلى الذِّهْن ؛ ولذلك نسمي المولود بعد ولادته باسم يُميِّزه عن بقية إخوته ؛ بحيث إذا أُطلِق الاسم انصرف إلى الذات المشخصة .
وإذا أُطلق اسم واحد على متعددين ؛ فلا بد أن يوضح واضع الاسم ما يميز كل ذات عن الأخرى .
والمَثل من الريف المصري ؛ حين يتفاءل أب باسم"محمد"؛ فيسمِّي كل أولاده بهذا الاسم ، ولكنه يُميِّز بينهم بأن يقول:"محمد الكبير"و"محمد الأوسط"و"محمد الصغير".