والجواب عن ذلك: أن الأشد مختلف فيه من البلوغ إلى استكمال أربعين سنة ، وقد قيل بالزيادة على الأربعين ، وظاهر القرآن أن الأشد يقع على دون الأربعين لقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) (الأحقاف: 15) ، فلو كان الأشد الأربعين لأدى إلى عطف الشيء على نفسه ، فإنما الكلام في قوة أن لو قيل: حتى إذا بلغ أشده واستكمل وتم بالزيادة ، والله أعلم ، وإذا كان وقوع الأشد على ما ذكرنا ، ولا يكون إلا على خال من العمر يحسن في الظبط والتدبير ، والإحكام للأمور ، والفهم للخطاب ، وتحقيق مقادير الأمور ، وهذا بِجَرْي العادة إنما ابتداؤه عند البلوغ أو قبل البلوغ ، ثم يستحكم إلى الغاية التي إليها انتهاء تمام القوة واستحكام العقل ، وتلك الأربعون ، وعلى رأس الأربعين سنة بعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ، ثم أن الله سبحانه قال في قصة يحيى بن زكريا ، عليه السلام: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم: 12) ، وهذا ولابد في غير (سن) الأربعين ، وقال تعالى في قصة يوسف ، عليه السلام ، إنما ابتدئ بالوحي وسماع الكلام بعد فراره خوفاً من فرعون ، قال تعالى: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء: 21) وأفصحت آي القرآن أن ذلك كان بعد رجوعه وإنكاح شعيب عليه السلام إياه ابنته ، ولم يخرج من مصر حتى ائتمر به للقتل وبعد وكز الذي كان من عدوه وقضائه عليه ، ومجموع هذا إنما هو بخروجه ، عليه السلام ، عن سن الابتداء إلى استكمال الأشد وهو الاستواء ، فقيل في قصته: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى) (القصص: 14) أي استكمل وانتهى إلى أحسن الحالات في السن ، وأما يوسف ، عليه السلام ، في الوحي إليه في الجب فحاله وإن بلغ ما يسمى أشداً غير حالة الاستواء ، فامتنع مجيء