تَرَى فِي الْآيَتَيْنِ (118 و119) (1) بَيَانَ سُنَنِ اللهِ - تَعَالَى - فِي اخْتِلَافِ الْأُمَمِ فِي الدِّينِ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي التَّكْوِينِ وَالْعُقُولِ وَالْفُهُومِ ، وَحِكْمَةُ جَعْلِهَا فِي خَاتِمَةِ السُّورَةِ: أَنَّهَا أَهَمُّ مَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْقُرْآنِ ، وَهُوَ أَكْمَلُ هِدَايَةً وَهَبَهَا اللهُ لِلْإِنْسَانِ ، لِتَكُونَ كَافِلَةً كَافِيَةً لَهُ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ ، ذَلِكَ بِأَنَّ مَا قَبْلَهَا كُلُّهُ مِنْ سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ الْمُبَيِّنَةِ لِأَسْبَابِ فَسَادِ الْأَفْرَادِ وَالْأُمَمِ وَقَدْ أَرْشَدَهُمُ الْقُرْآنُ لِاتِّقَائِهَا ، فَهُوَ جَامِعٌ لِوَصْفِ أَمْرَاضِ الْبَشَرِ كُلِّهَا وَلِوَصْفِ عِلَاجِهَا ، فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَتَدَبَّرَهُ مِنَ الْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ الصُّغْرَى (الْبُيُوتِ وَالْفَصَائِلِ وَالْعَشَائِرِ) وَالْكُبْرَى (الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ) عَمِلَ بِهِ ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ سَلِمَ مِنَ الْفَسَادِ وَالْهَلَاكِ ، وَالْهَلَاكُ حَتْمًا ، وَإِنَّمَا يَنْحَصِرُ الْخَوْفُ عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ ، وَهَذَا التَّرْكُ إِذَا كَانَ مِنْ بَعْضِ الْأَفْرَادِ فَخَطْبُهُ سَهْلٌ ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ جَهَلَهُ بِالْحُكْمِ خَالَفَهُ وَدَوَاؤُهُ التَّعْلِيمُ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ فَسَادِ تَرْبِيَتِهِ وَدَوَاؤُهُ النَّصِيحَةُ وَالْإِرْشَادُ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَفْرُوضٌ عَلَى إِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلِ النَّصِيحَةَ بِالْقَوْلِ فَعِلَاجُهُ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ حُكُومَتِهِمْ مَعْرُوفٌ ، وَكَذَا إِذَا كَانَ التَّرْكُ مِنَ الْجَمَاعَاتِ الْكَبِيرَةِ أَوِ الصَّغِيرَةِ لِلْجَهْلِ أَوْ لِأَسْبَابٍ مَالِيَّةٍ أَوْ عَدَاوَةٍ شَخْصِيَّةٍ ، أَوْ عَصَبِيَّةٍ