أنه تقديره: فلولا أنه (كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ)
أي: من الصالحين كانوا (يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ) ثم يقدر
بتقدير آخر وهو: لأهلكنا تلك القرون كما أهلكنا من ذكرنا من
المهلكين (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ) فاستثنى المنجين من المهلكين
كنوح ومن أنجاه معه في الفلك؛ وأصحاب هود وصالح وغيرهم،
صلوات الله وسلامه على جميعهم.
ثم قال: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ) والمعنى: والذين
ظلموا هم المهلكون من أسلاف المنجين ومعاصريهم، يقول: واتبع الذين ظلموا هنا
أترف أُولَئِكَ فيه وكانوا - يعني: أولئك - مجرمين، وأهلكناهم لذلك أيضًا،
فهل ينظر هؤلاء إلا مثل أيام الذين جنوا ما حل بمن قبلهم من ذلك.
قال جل قوله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117)
والإصلاح هو العمل بطاعة الله والنهي عن المنكر، فمتى كانت
بقية في القرون ينكرون المعاصي وبالقنوت، ويتأوهون لسماعها ورؤيتها،
وقاهم الله عذابها بإيمانهم ودعائهم.
(فصل)
حكي عن الخليل بن أحمد - رحمة الله عليه - أنه قال:"لولا"في القرآن
معناها"هلا"إلا التي في الصافات، قوله جل قوله: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ(143)
لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) . وقد تقدم الكلام فيها على
الوجهين.
وقال أيضًا: إن حرف"لو"يجيء عبارة عن امتناع الشيء لوجود غيره، أو
لوجود الشيء لامتناع غيره، فأمرها إذًا مركب من إيجاب ومنع، واتصلت بها
لترجحها إلى أحد الجنتين ليفهم خطاب ما اجتلبت من أجله فتقدير قضيتها قبل
دخول"لا": فلو كان من القرون أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض لأنجيناهم
بذلك، ثم جاءت"لا"فأرجحتها إلى امتناع وجود أولئك، ثُمَّ جاءت"إلا"فاستثنت
بعض القرون من كلها في وجود أولئك السادة ومن اتبعهم ممن أهلك ثم
عادت بتأويل"هلا"على المنجين، فاستثنت منهم البقية الصالحة الذين هم ينهون
عن الفساد في الأرض لو كان ذلك لأنجيناهم إلا قليلاً.