والخلاصة: أي إذا كَانَ أمر الأمم المشركة الظالمة في الدنيا ثم في الآخرة كما قصصناه عليك، فلا تكن في أدنى ريب مما يعبد قومك هؤلاء في عاقبته بمقتضى تلك السنن التي لا تبديلَ لها. وفي ذلك تسلية له - صلى الله عليه وسلم - ، ووعيد لقومه كما لا يخفى. ثم بيَّن حالَهم في عبادتهم وجزاءهم عليها فقال: {مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ} ؛ أي: لأنهم أشبهوا آباءَهم في الجهل والتقليد، فهم مقلدون لهم {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} ، وتوفية الشيء ِ تأديته، وإعطاؤه على وجه التمام والضمير لهؤلاء الكفرة؛ أي: لمعطوهم حظهم المتعين لهم من العذاب الدنيوي والأخروي كما وفينا آباءهم أنصباءَهم المقدرةَ لهم حسب جرائمهم، فسيلحقهم مثل ما لَحَقَ بآبائهم، فإن التماثل في الأسباب يقتضي التماثل في المسببات،
فإن قيل: لا سبب عندنا إلا الله. قلنا: يكفينا السببية العادية، وهو ما يفضي إلى الشيء بحسب جريان العادة. وقوله: {غَيْرَ مَنْقُوصٍ} حال مؤكدة من النصيب؛ لأنَّ التوفية تَقتضِي التكميلَ كقوله: {هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا} . وفائدته مع دفع توهم التجوز: تقرير ذي الحال؛ أي: جعله مقررًا ثَابِتًا لا يظن أنه غيره؛ لأن التوفيةَ لا تستلزم عدمَ النقص، فقد يجوز أن يُوفَّى، وهو ناقص، كما يجوز أن يوفَّى وهو كامل. وفي الآية ذَمٌّ للتقليد، وهو قبولُ قول الغير بلا دليل. وقيل: المعنى: وإنا لمعطوهم نصيبَهم من جزاءِ أعمالهم في الدنيا وافيًا تامًّا لا ينقص منه شيء ، كما وفينا آباءهم الأولين من قبل، فأعمال الخير التي يعملونها في الدنيا كبر الوالدين، وصلة الأرحام، وإغاثة الملهوف يوفون جزاءَهم عليها بسعة الرزق، وكشف الضر جزاءً تامًّا وافيًا، ولا يجزون عليها في الآخرة، ومثل هذا الجزاء متاعٌ عاجل لا يلبث أن يزولَ. وقرأ الجمهور: {لموفُّوهم} مشددًا من وفى، وقرأ ابن محيصن مخففًا من (أوفى) .