و {يَأْتِ} بحذف الياء اجتزاءً عنها بالكسرة، كما قالوا: لا أدر ولا أُبال، وهو كثير في لغة هذيل. روي عن عثمانَ - رضي الله عنه - أنه عرض عليه المصحف، فوجد فيه حروفًا من اللحن، فقال: لو كان الكاتب من ثقيف، والمملي من هذيل .. ما وجد فيه هذه الحروف. فكأنه مَدَح هذيْلًا بالفصاحة.
{لَا تَكَلَّمُ} بحذف إحدى التاءين؛ أي: لا تتكلم {نَفْسٌ} من الأنفس الناطقة بما ينفع، ويُنجي من جواب، أو شفاعة {إِلَّا بِإِذْنِهِ} سبحانه وتعالى إذ لا يملك أحد فيه قولًا، ولا فعلًا إلا بإذنه تعالى في التكلم. فالمأذون من الكلام هو الجوابات الصحيحة, والممنوعُ منه هو ذكر الأعذار الباطلة كما قال تعالى: {لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} ، وقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} ، وقوله: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} ، ويوم القيامة يوم مقداره ألف سنة من سني الدنيا. ففيه مواقف، وأزمنة، وأحوال، مختلفة يتكلمون في بعضها، ويتساءلون كما قال: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} . ولا يتكلمون في بعضها لشدة الهول، والفزع، وظهور آثار سطوة القهر، أو لعدم الإذن لهم في الكلام، كما قال تعالى: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) } ، ويُختم في بعضها على أفواههم، وتتكلم أيديهم، وتشهد أرجلهم، وبهذا التفصيل يجمع بينَ الآيات المتعارضة ظَواهِرُها.