قلت: أوثر اسم المفعول لما فيه من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه لا بد أن يكون ميعادًا مضروبًا لجمع الناس له، وأنه هو الموصوف بذلك صفة لازمةً، وهو أثبت أيضًا لإسناد الجمع إلى الناس، وأنهم لا ينفكون منه، وفيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في الفعل. ومعنى: {مَشْهُودٌ} مشهود فيه، فاتسع في الجار والمجرور ووصل الفعل إلى الضمير إجراءً له مجرى المفعول به على السعة كقوله:
وَيَوْمًا شَهِدْنَاهُ سُلَيْمًا وَعَامِرًا
والمعنى: يشهد فيه الخلائق الموقفَ لا يغيب عنه أحد، ومنه قولهم: لفلان مجلس مشهود، وطعام محضور، وإنما لم يجعل اليومَ مشهودًا في نفسه كما قال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} لأن الغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعِظم وغيره من بين الأيام، وكونه مشهودًا في نفسه لا يميزه إذ هو موافق لسائر الأيام في كونها مشهودةً، انتهى.
104 - {وَمَا نُؤَخِّرُهُ} ؛ أي: وما نؤخِّر ذلك اليومَ {إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} ؛ أي: إلا لأجل انقضاء أجل معلوم عدده. وانتهاء مدة معلومة في علمنا مضروبة بحسب ما تقتضيه الحكمة لا تزيد، ولا تنقض، وهي انتهاء مدة الدنيا، وكل شيء معدود محدود قريب، ولم يطلع الله سبحانه وتعالى أحدًا من خلقه على معرفة ذلك اليوم. وفي الآيات تهديد وتخويفٌ من الله تعالى، وحث على تصحيح الحال، وتصفيةِ البال وتزكية الأعمال، ومحاسبة النفوس قبل بلوغ الآجال، فإن العبد لا يحصد إلا ما يزرع، ولا يشرب إلا بالكأس التي يَسْقي، فعلى العاقل أن يتداركَ ما فاتَ ولا يضيع الأوقاتَ.
105 -والظرف في قوله: {يَوْمَ يَأْتِ} منصوب بقوله: {لَا تَكَلَّمُ} وفاعل (يأت) ضمير يعود على (اليوم) أي: حين يأتي ذلك اليوم المؤخر بانقضاء أجله، وهو يوم القيامة، فلا يلزم أن يكونَ للزمان زمانٌ، وذلك لأن الحينَ مشتمل على ذلك اليوم، وغيره من الأوقات، ولا محذور في كون الزمان جزءًا من زمان آخر، ألا ترى أنَّ الساعةَ جزء من اليوم، واليوم من الأسبوع، والأسبوع من الشهر، والشهر من العام.