في قوله: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) أربعة أقوال:
أحدها: اجعلوها مساجد.
وقد ذكرنا أن فرعون أمر بهدم مساجدهم، فقيل لهم: اجعلوا بيوتكم قبلة بدلا من المساجد.
والثاني: اجعلوها قِبَل القبلة.
وروى الضحاك عن ابن عباس، قال: قِبَل مكة.
وقال مجاهد: أُمروا أن يجعلوها مستقبلة الكعبة
والثالث: اجعلوها يقابل بعضها بعضاً.
والرابع: واجعلوا بيوتكم التي بالشام قبلةً لكم في الصلاة، فهي قبلة اليهود إِلى اليوم، قاله ابن بحر.
«فَإِنْ قِيلَ» : البيوت جمع، فكيف قال: «قبلة» على التوحيد؟
فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال:
من قال: المراد بالقبلة الكعبة، قال: وحِّدت القبلة لتوحيد الكعبة.
قال: ويجوز أن يكون أراد: اجعلوا بيوتكم قِبَلاً، فاكتفى بالواحد من الجميع، كما قال العباس بن مرداس:
فقلنا أسْلِمُوا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور
يريد: إِنا إِخوتكم.
ويجوز أن يكون وحّد «قبلة» لأنه أجراها مجرى المصدر، فيكون المعنى:
واجعلوا بيوتكم إِقبالاً على الله، وقصداً لما كنتم تستعملونه في المساجد.
ويجوز أن يكون وحَّدها، والمعنى: واجعلوا بيوتكم شيئاً قبلة، ومكاناً قبلة، ومحلة قبلة.
(رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ(88)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف جاز أن يدعوَ موسى على قومه؟
فالجواب: أن بعضهم يقول: كان ذلك بوحي، وهو قول صحيح، لأنه لا يُظن بنبيّ أن يُقدِم على مثل ذلك إلّا عن إذن من الله عزّ وجلّ، لأن دعاءه سبب للانتقام.
قوله تعالى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قال: دَعْوَتُكُما وهما دعوتان؟
فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن الدعوة تقع على دعوتين وعلى دَعَواتٍ وكلامٍ يطول كما بيّنّا في سورة الأعراف أن الكلمة تقع على كلمات، قال الشاعر:
وكان دعا دعوةً قومَه ... هلمَّ إِلى أمركم قد صُرِم