وجاءَ المعذِّرُونَ من الأعرابِ ليؤذن لهم ، فلم يَعْذِرْهم. قال ابن سعد: وهم اثنان وثمانون رجلاً ، وكان عبدُ الله بنُ أُبَيّ بن سَلول قد عسكر على ثنية الوَداع فِي حُلفائه من اليهود والمنافقين ، فكان يقال: ليس عسكره بأقلِّ العسكرين ، واستخلف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصارى. وقال ابن هشام: سباع بن عُرْفُطَةَ ، والأول أثبت.
فلما سار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، تخلَّف عبدُ الله بن أُبَيّ ومَنْ كان معه ، وتخلَّف نَفَر مِن المسلمين مِن غير شك ولا ارتياب ، منهم: كعبُ بن مالك ، وهِلالُ ابن أُمية ، ومُرَارَةُ بنُ الربيع وأبو خَيثمة السالمى ، وأبو ذر ، ثم لحقه أبو خيثمة ، وأبو ذر ، وشهدها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي ثلاثين ألفاً مِن الناس ، والخيلُ عشرة آلاف فرس ، وأقام بها عشرين ليلة يقصُر الصَّلاة ، وهِرَقْلُ يومئذِ بحمص.
قال ابن إسحاق: ولما أراد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الخروجَ ، خلَّف عليَّ بنَ أبى طالب على أهله ، فأرْجَفَ به المنافقون ، وقالوا: ما خلَّفه إلا استثقالاً وتخففاً منه ، فأخذ عليُّ رضي الله عنه سِلاحه ، ثم خرج حتى أتى رسولَ
الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجُرْفِ ، فقال: يا نبيَّ الله ؛ زعم المنافقون أَنك إنما خلَّفتنى لأنك استثقلتنى وتخففتَ منى ، فقال:"كَذَبُوا ، ولكِنِّى خَلَّفْتُكَ لما تركْتُ وَرَائِى ، فارْجعْ فَاخْلُفْنى فِي أهْلِى وَأَهْلِكَ ، أَفَلاَ تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّى بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسى؟ إلا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِى"فرجع عليُّ إلى المدينة.