قيل: هم وإن آمنوا في الظاهر باللَّه واليوم الآخر، فإنما يؤمنون بإلهٍ له ولد كما ذكره على أثره، وهو قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) فالإيمان بإلهٍ له ولد ليس بإيمان باللَّه، فهم غير مؤمنين، وكذلك آمنوا بالبعث واليوم الآخر، ولكن لم يؤمنوا بالموعود في الآخرة، فالإيمان باليوم الآخر بغير الموعود فيه ليس بإيمان به.
أو أن يقال: إنهم وإن أقروا بما ذكرنا وآمنوا به، فقد استحلوا أشياء حرمها اللَّه عليهم، وحرموا أشياء أحلها اللَّه لهم، ومن آمن بالكتب كلها والرسل ولم يؤمن بآية منها أو برسول منهم، فهو غير مؤمن باللَّه واليوم الآخر ولا مصدق له.
وقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ...) إلى آخر الآية.
فإن قال لنا ملحد: إنكم تقاتلون الكفرة للكفر، ثم إذا أعطوكم شيئًا من المال تركتم مقاتلتهم، فلو كان قتالكم إياهم لذلك لا لطمع في الدنيا، لكنتم لا تتركون مقاتلتهم لشيء يبذلونكم، وكذلك لو كانت المقاتلة للكفر نفسه، لكان النساء في ذلك والرجال سواء؛ إذ هم في الكفر شرعًا سواء.
وقالوا: لو كانت المقاتلة معهم لما ذكرنا، وهو حكمة، والآمر بذلك حكيم لكان الناس جميعًا في ذلك سواء، ولا تتركون أحدًا لشيء من ذلك؛ بل يقاتلون أبدًا ولا ترضون منهم غيره.
فيقال لهم: إنا لن نقاتل الكفرة للكفر، ولكنا ندعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا إلى ذلك وإلا قتلناهم ليضطرهم القتل إلى الإسلام؛ لهذا ما نقاتلهم لشيء سواه فإذا كان في أخذ الجزية، معنى ما ندعوهم إلى الإسلام، فإذا قبلوا ذلك تركناهم على ذلك؛ لعلهم يرغبون في الإسلام إذا رأوا شرائعنا وأحكامنا؛ لا أنا تركناهم رغبة فيما نأخذ منهم أو طمعًا في ذلك.