عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ:" {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} يَقُولُ: يُشْبِهُونَ"
عَنْ قَتَادَةَ: «ضَاهَتِ النَّصَارَى قَوْلَ الْيَهُودِ قَبْلَهُمْ»
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: يَحْكُونَ بِقَوْلِهِمْ قَوْلَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ الَّذِينَ قَالُوا: اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ: (يُضَاهُونَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ.
وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ: {يُضَاهِئُونَ} بِالْهَمْزِ، وَهِيَ لُغَةٌ لِثَقِيفٍ. وَهُمَا لُغَتَانِ، يُقَالُ: ضَاهَيْتُهُ عَلَى كَذَا أُضَاهِيهِ مُضَاهَاةً وَضَاهَأتُهُ عَلَيْهِ مُضَاهَأَةً، إِذَا مَالَأْتُهُ عَلَيْهِ وَأَعَنْتُهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ تَرْكُ الْهَمْزِ؛ لِأَنَّهَا الْقِرَاءَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ وَاللُّغَةُ الْفُصْحَى
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ فِيمَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ"يَقُولُ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ قَتَلَ. فَهُوَ لَعَنَ"
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ:" {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} "
يَعْنِي النَّصَارَى، كَلِمَةٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ""
فَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ مَعْنَاهُ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَاتَعَكَ اللَّهُ، وَقَاتَعَهَا اللَّهُ، بِمَعْنَى: قَاتَلَكَ اللَّهُ، قَالُوا: وَقَاتَعَكَ اللَّهُ أَهْوَنُ مِنْ قَاتَلَهُ اللَّهُ. وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: شَاقَاهُ اللَّهُ مَا بَاقَاهُ، يُرِيدُونَ: أَشْقَاهُ اللَّهُ مَا أَبْقَاهُ. قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} كَقَوْلِهِ: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ}
وَ {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} وَاحِدٌ، وَهُوَ بِمَعْنَى التَّعَجُّبِ. فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالُوا كَمَا قَالُوا، فَهُوَ مِنْ نَادِرِ الْكَلَامِ الَّذِي جَاءَ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ فَاعَلْتُ لَا تَكَادُ أَنْ تَجِيءَ فِعْلًا إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِمْ: خَاصَمْتُ فُلَانًا وَقَاتَلْتُهُ، وَمَا أَشْبَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ قَوْلَهُمْ: عَافَاكَ اللَّهُ مِنْهُ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ: أَعْفَاكَ اللَّهُ، بِمَعْنَى الدُّعَاءِ لِمَنْ دَعَا لَهُ بِأَنْ يَعْفِيَهُ مِنَ السُّوءِ
وَقَوْلُهُ: {أَنَّى يُؤْفَكُونَ}