وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَهُمْ أَذِلَّاءُ مَقْهُورُونَ، يُقَالُ لِلذَّلِيلِ الْحَقِيرِ: صَاغِرٌ وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِهِ بِحَرْبِ الرُّومِ، فَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِهَا غَزْوَةَ تَبُوكَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الصِّغَارِ الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يُعْطِيَهَا وَهُوَ قَائِمٌ وَالْآخِذُ جَالِسٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ يَمْشُونَ بِهَا وَهُمْ كَارِهُونَ، وَذَلِكَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِعْطَاؤُهُمْ إِيَّاهَا هُوَ الصِّغَارُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْقَائِلِ: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، هُوَ فِنْحَاصُ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ قَوْلَ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَوْفَى، وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وَقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنَا، وَأَنْتَ لَا تَزْعُمُ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ؟ فَأُنْزِلَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} إِلَى: {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} "