وَمَا يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ فِي الْفَاقَةِ: عَالَ يَعُولُ بِالْوَاوِ.
وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ فَائِدٍ أَنَّهُ كَانَ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} بِمَعْنَى: وَإِذْ خِفْتُمْ، وَيَقُولُ: كَانَ الْقَوْمُ قَدْ خَافُوا وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ لِأَبِيهِ: إِنْ كُنْتَ أَبِي فَأَكْرِمْنِي، بِمَعْنَى: إِذْ كُنْتَ أَبِي.
وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَافُوا بِانْقِطَاعِ
الْمُشْرِكِينَ عَنْ دُخُولِ الْحَرَمِ انْقِطَاعَ تِجَارَاتِهِمْ وَدُخُولَ ضَرَرٍ عَلَيْهِمْ بِانْقِطَاعِ ذَلِكَ، وَأَمَّنَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْعَيْلَةِ وَعَوَّضَهُمْ مِمَّا كَانُوا يَكْرَهُونَ انْقِطَاعَهُ عَنْهُمْ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهُ، وَهُوَ الْجِزْيَةُ، فَقَالَ لَهُمْ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} إِلَى: {صَاغِرُونَ} وَقَالَ قَوْمٌ بِإِدْرَارِ الْمَطَرِ عَلَيْهِمْ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"لَمَّا نَفَى اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الْحُزْنَ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُونَ وَقَدْ نُفِيَ الْمُشْرِكُونَ وَانْقَطَعَتْ عَنْكُمُ الْعِيرُ؟ فَقَالَ اللَّهُ: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ} فَأَمَرَهُمْ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَغْنَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ"
عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ:"أُخْرِجَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ مَكَّةَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: كُنَّا نُصِيبُ مِنْهُمُ التِّجَارَةَ وَالْمِيرَةَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} "
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا حَدَّثَتْكُمْ بِهِ أَنْفُسُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ خَوْفِ الْعَيْلَةِ عَلَيْهَا بِمَنْعِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَنْ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ عِبَادِهِ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ إِيَّاهُمْ وَتَدْبِيرِ جَمِيعِ خَلْقِهِ.