هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ هَذَا بَيَانٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلْمُرَادِ مِنْ إِتْمَامِ نُورِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَهُوَ أَنَّ اللهَ الَّذِي كَفَلَ إِتْمَامَ هَذَا النُّورِ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ الْأَكْمَلَ الَّذِي أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلُ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ (3: 81) إِنْ جَاءَ فِي زَمَنِ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى الْأَتَمِّ الْأَكْمَلِ الْأَعَمِّ الْأَشْمَلِ ، وَدِينِ الْحَقِّ أَيِ: الثَّابِتِ الْمُتَحَقِّقِ الَّذِي لَا يَنْسَخُهُ دِينٌ آخَرُ ، وَلَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ آخَرُ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ (41: 42) وَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي ذُكِرَ فِي أَوَّلِ هَذَا السِّيَاقِ: وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ (9: 29) ; لِأَنَّهُمْ أَضَاعُوا حَظًّا عَظِيمًا مِنْ كُتُبِ أَنْبِيَائِهِمْ وَمَوَاعِظِهِمْ وَحَرَّفُوا الْبَاقِيَ مِنْهَا فَلَمْ يُقِيمُوهُ عَلَى وَجْهِهِ ، بَلِ اسْتَبْدَلُوا بِهِ تَقَالِيدَ وَضَعَهَا لَهُمُ الرُّؤَسَاءُ بِأَهْوَائِهِمْ ، كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ . فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ الْأَمْرُ الثَّابِتُ الْمُتَحَقِّقُ ، وَأَنَّ إِضَافَةَ الدِّينِ إِلَيْهِ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ صَحِيحٌ يُجَامِعُهُ وَلَا يُبَايِنُهُ ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ دِينَ اللهِ الْمَحْضَ الَّذِي لَا شَائِبَةَ فِيهِ كَالشَّوَائِبِ الَّتِي عُرِضَتْ لِلْأَدْيَانِ السَّابِقَةِ وَلِمَا بَقِيَ مِنْ كُتُبِهَا . وَكَلِمَةُ الْحَقِّ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ: فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ (10: 32) .