وهو الكسر وهو يستعمل في المحقرات والعرض ما لا نبات له، ولما كان المتاع مما لا
ثبات له ولو جسيمًا سمي به ومنه استعار المتكلمون العرض المقابل للجوهر، وقد يطلق
على مقابل النقد من الأمتعة وليست بمرادة هنا كذا قيل. وفي الدرر: العرْض بسكون الراء
متاع لا يدخل كيلًا ولا وزنًا ولا يكون حيوانًا ولا عقارًا كذا في الصحاح، وأما العرَض
بفتحها فمتاع الدُّنْيَا فيتناول جميع الأموال انتهى. وبينه وبين ما قيل نوع مخالفة، والْمُرَاد
بالدُّنْيَا الدار المقابلة للآخرة وقد تستعمل في معنى آخر لا يناسب هنا.
قوله: (والله يريد الْآخرَة) وفيه زجر عظيم وتهديد جسيم يفهم من له قلب سليم.
قوله: (يريد لكم ثواب الْآخرَة) لما كان الْمُتَبَادَر من الإرادة الإرادة لذاته صرف عنه
وقدر لكم؛ إذ لا معنى لإرادته تَعَالَى الْآخرَة إلا هذا، ولما [كانت] الإرادة هنا بمعنى الرضاء
فاندفع الإشكال بأن الآية تدل عَلَى عدم وقوع مراد الله تَعَالَى وهو خلاف مذهب أهل السنة
فإن معنى إرادة فعل الغير أو حاله ليس إلا الرضاء غايته أنه عبر بها للمشاكلة وقدروه أَيْضًا
عرض الْآخرَة ووجه بأنه للمشاكلة فلا إشكال بأن أمور الْآخرَة مستمرة غير زائلة نوعًا.
قوله: (أي بسَبَب نيل الْآخرَة من إعزاز دينه وقمع أعدائه) والوجهان متقاربان؛ إذ ثواب
الْآخرَة لا يتحقق إلا بالمباشرة بسببه بحسب العادة، لكن قدم الأول لأهميته ولكونه مقصودًا
لذاته ثم الأولى أو سبب ثواب الْآخرَة قيل وذكر نيل لتوضيحه لا لتقدير مضافين انتهى.
ولا يعرف وجهه؛ إذ بلا تقدير مضافين هنا لا يحسن الْمَعْنَى بخلاف الأول فليكن هذا أَيْضًا
وجه ترجيح الأول وهي مانع من تقدير مضافين إذا قامت القرينة عليهما.
قوله: (وَقُرئَ بجر الْآخرَة) قرأها سليمان بن جماز المدني.
قوله: (عَلَى إضمار الْمُضَاف) وإبقاء الْمُضَاف إليه عَلَى جره.
قوله: (كقوله: أكلّ امرئ تحسبين أمرأً) قائله أبو دَاوُود أو حارثة بن حمران الإيادي.
قوله: (ونارٍ توقد بِاللَّيْلِ نَارًا) بجر النَّار حذف الْمُضَاف وهو كل أي أكل نار وأبقى
الْمُضَاف إليه عَلَى إعرابه. هذا مذهب سيبَوَيْه قاله ابن يعيش وقد فصل هذا في شروح الكافية
في بحث العطف.
قوله: (يغلب أولياءه عَلَى أعدائه) من [التَغْليب] وهذا معنى كنوي لأصل معنى العزيز.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: أكلّ امرئ تحسبين [امرأ] . يقول أكلّ امرئ تظنين أنه رجل ذو سماحة وشجاعة وكل
نار ترى بالليل تظنين أنها نار قرى. قال ابن جني: هُوَ بيت الْكتَاب وتقديره وكل نار فناب ذكره في
أول البيت عن إعادتها في آخره كأنه قال: وكل نار هربًا من العطف عَلَى عاملين وهما كل وتحسبين
وعلى هذه القراءة الجر في الْآخرَة بتقدير عرض، وإنما جاء للمشاكلة لأن العرض بالتحريك متاع
والدُّنْيَا وحطامها والدار الْآخرَة هي الحيوان وثوابه دائم لا ينقطع، ولذا فسر عرض الدُّنْيَا بالحطام.
قال الرَّاغب: العرض ما لا ثبات له ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر
كاللون والطعم. وقيل الدُّنْيَا عرض حاضر تنبيهًا عَلَى أن لا ثبات لها.