أو ما عهد إليهم في أمر مُحَمَّد، وإظهار نعته وصفته في كتبهم، فكتموا ذلك، وحرفوه، وأظهروا خلاف نعته وصفته، فذلك منهم خيانة، فيقول: إنهم قد خانوا اللَّه من قبل، فأمكن اللَّه منهم، فإذا خانوك يمكنك اللَّه منهم أيضًا.
وقوله: (فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أمكن منهم، أي: انتقم منهم جزاء خيانتهم، وقَالَ بَعْضُهُمْ: أمكنك حتى انتقصت منهم.
وقوله: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ) ليس على الإرادة، ولكن على وقوع فعل الخيانة؛ كأنه قال: وإن خانوك فقد خانوا اللَّه من قبل، لكنه ذكر الإرادة؛ لما هي صفة كل فاعل مختار؛ لما لا تكون الأفعال إلا بإرادة.
وقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) : بما يسرون ويضمرون من الخيانة ونقض العهود، (حَكِيمٌ) : في أمره وحكمه حيث أمكنك منهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) أي: خانوك بعد إسلامهم بالكفر بك.
(فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ) أي: فقد كفروا باللَّه قبل هذا؛ يقول: إن خانوك أمكنك منهم فقتلتهم وأسرتهم؛ كما فعلت بهم ببدر.
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ) : بخلقه، (حَكِيمٌ) : في أمره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...(72)
قوله: (آمَنُوا) ، أي: صدقوا آيات اللَّه وحججه، أو صدقوا رسوله في جميع ما جاء به؛ كأنه مقابل قوله: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) ، ذكر - هاهنا - التصديق مكان التكذيب في ذلك.
وقوله: (وَجَاهَدُوا) : في إظهار دين اللَّه ونصره.
(بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) أي: بذلوا ذلك.
(وَالَّذِينَ آوَوْا) أي: ضموا النبي.