إلا بالسيف، وشق الصحيفة وأجازته طائفة على غير مال يؤديه المسلمون إليهم وأما بمال فلا يجوز، وهو أحد قولي الشافعي وبه يقول الأوزاعي. وهذا الخلاف عندي إنما هو ما لم يخف على المسلمين أن يصطلحوا. فأما إذا خيف ذلك فجائز مصالحتهم على مال وعلى غير مال. فأما على أن يؤخذ من الكفار فلا خلاف في جوزاه وسيأتي الكلام عليه. وإنما الخلاف إذا كان على أن لا يأخذ منهم شيئًا أو على أن يعطيهم شيئًا، وهذا كله مع الذين يجوزون أخذ الجزية منهم. فأما من لا يجوز أخذ الجزية منهم باتفاق ككفار قريش فلا خلاف أنه لا تجوز مصالحتهم كيف كانت والذين ذهبوا إلى جواز الصلح في المسألة التي ذكرناها اختلفوا في المدة التي تجوز مصالحتهم إليها. فقيل لا يجوز أن يصالحوا أكثر من عشر سنين وما وراء هذا محظور، وهو قول الشافعي. وقيل لا يجوز أكثر من أربع سنين. وقيل لا يجوز أكثر من ثلاث سنين وهذه الثلاثة الأقوال مبنية على الاختلاف في المدة التي هادن عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية. وقيل تجوز مهادنتهم إلى مدة قصيرة أو طويلة على حسب ما يعطيه الاجتهاد والنظر في مصلحة المسلمين، ونحو هذا حكى ابن حبيب عن مالك فقال
تجوز مهادنتهم السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة. وهذا القول أليق بظاهر الآية إذا قلنا بأنها محكمة. واختلفوا هل يعقد الهدنة غير الإمام أم لا يعقدها إلى الإمام. والجمهور على أنه لا يعقدها إلا الإمام. وذهب الطبري إلى أنه يجوز أن يعقد بغير إذن الإمام. والدليل على فساد هذا القول أن هذا من مصالح المسلمين فلا بد من نظر الإمام فيه وقد قال تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} الآية، فلم يخاطب بذلك إلا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقصر تعالى الخطاب عليه إلا من أجل أن ذلك ليس لغيره وأن يعلم أن النظر في ذلك إنما هو للأئمة.
(65) - (67) - قوله تعالى: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} إلى قوله تعالى: {ما كان لنبي} :