فمن رسل الله من كلَّمه الله من وراء حجاب بلا واسطة كموسى - صلى الله عليه وسلم - .. ومنهم من كلمه الله على لسان رسوله الملكي جبريل وهم الأنبياء .. وكلم الله سائر الناس على ألسنة رسله، فأنزل عليهم كلامه الذي بلَّغته رسله عنه إليهم، وقالوا هذا كلام الله الذي تكلم به إلى عباده، وأمرنا بتبليغه إليكم كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) } [المائدة: 67،68] .
وكلام الله هدى ورحمة للبشرية فهل قمنا بإبلاغه إليهم؟: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52) } [إبراهيم: 52] .
وإذا أراد الله بأهل الأرض خيراً نثر عليهم أثراً من آثار اسمه الرحمن، فعمر به البلاد، وأحيا به الموات، وأصلح به العباد.
وإذا أريد بهم شراً أمسك عنهم أثر ذلك الاسم، فحل بهم من البلاء بحسب ما أمسك عنهم من آثار اسمه الرحمن.
ورحمة الله وسعت كل شيء، وقد خلق الله مائة رحمة، وأنزل على أهل الأرض رحمة واحدة منها، فبها يتراحم الخلق ويتعاطفون، فكل رحمة في كل مخلوق فهي من آثار رحمة الله هذه.
والعالم كله مملوء بهذه الرحمة الواحدة كامتلاء البحر بمائه، والجو بهوائه، وما فيه من ضد ذلك فهو من مقتضى سبقت رحمتي غضبي، والمسبوق لا بدَّ لاحق وإن أبطأ، وفيه حكمة لا تناقضها الرحمة، فإذا كان يوم القيامة كمل الله بهذه الرحمة لتكون مائة رحمة، يرحم بها أهل الإيمان به وطاعته وتوحيده.
وإذا كان الله قد ملأ هذا الكون برحمته .. فهلا نملؤه بدوام ذكره وحمده؟
فسبحان العزيز الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، وأحاط علمه بكل شيء. انتهى انتهى {موسوعة فقه القلوب، للشيخ/ محمد بن إبراهيم التويجري} ...