والنفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار، ولكن الذي يسهل على النفس هذا الإيثار أمور:
أحدها: رغبة العبد في مكارم الأخلاق، ومعاليها، فإن من أفضل أخلاق
الإنسان وأشرفها وأعلاها الإيثار، وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبته، كما جبلها على بغض المستأثر ومقته، لا تبديل لخلق الله.
الثاني: النفرة من خلق اللئام، ومقت الشح وكراهته له.
الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها الله لبعض المسلمين على بعض، فهو يرعاها حق رعايتها، ويخاف من تضييعها، ويعلم أنه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه الوقوف على حده، بل لا بدَّ من مجاوزته إلى الفضل، أو التقصير عنه إلى الظلم، فهو لخوفه من تضييع الحق والدخول في الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره، ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا، وجزيل الأجر في الآخرة، مع ما يجلبه من البركة، وفيضان الخير عليه.
والأخلاق ثلاثة:
خلق الإيثار: وهو خلق الفضل.
وخلق التسوية: وهو خلق العدل.
وخلق الاستئثار والاستبداد: وهو خلق الظلم.
فصاحب الإيثار محبوب مطاع مهيب، وصاحب العدل لا سبيل للنفوس إلى أذاه والتسلط عليه، ولكنها لا تنقاد إليه انقيادها لمن يؤثرها.
وصاحب الاستئثار، النفوس إلى أذاه والتسلط عليه أسرع من السيل في حدوره، وهل أزال الممالك وقلعها من جذورها إلا الظلم والاستئثار والاستبداد، فإن أصعب شيء على النفوس هذه الصفات، فإنه لا صبر لها عليها.
والإيثار ضد الشح، ومراتبه ثلاثة:
أحدها: أن يعطي غيره الأكثر، ويبقى له شيئاً، فهو الجود.
الثاني: أن لا ينقصه البذل ولا يصعب عليه، فهو سخاء.
الثالث: أن يؤثر غيره بالشيء المحبوب مع حاجته إليه، فهو الإيثار وهو أعلى المراتب.
فهذا الإيثار المتعلق بالخلق.
وأما الإيثار المتعلق بالخالق فهو أجلّ من هذا وأفضل، وهو إيثار حب الله على حب غيره، وإيثار رضاه على رضا غيره، وإيثار خوفه على خوف غيره، وإيثار رجائه على رجاء غيره، وإيثار الذل له سبحانه، والخضوع له، والاستكانة والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره، وإيثار الطلب منه، والسؤال له، وإنزال الفاقات به وحده دون غيره.