وإن وجد الصبر لم يجد طبيباً حاذقاً يعالجه، والأطباء هم العلماء بالله وأسمائه وصفاته ودينه وشرعه وأكثرهم مرضى، والطبيب إذا كان مريضاً .. فلما يلتفت إلى علاجه وإلى غيره.
فلما قل العلماء الربانيون صار الداء عضالاً، واندرس هذا العلم، وأنكر أكثر الناس طب القلوب، ومرضها بالكلية، وأقبل الناس على أعمال ظاهرها عبادات، وباطنها عادات، لا تزيد إيماناً، ولا تحجز عن محرم، فهذا علامة أصل المرض.
وأما عافية القلب، وعوده إلى الصحة بعد المعالجة، فهو أن ينظر إلى العلة:
فإن كان المرض مثلاً داء البخل فعلاجه بذل المال، ولكن لا يسرف ويصير إلى حد التبذير، فيحصل به داء آخر، بل المطلوب الاعتدال.
وإذا أراد الإنسان أن يعرف الوسط فلينظر إلى نفسه:
فإن كان جمع المال وإمساكه ألذ عنده وأيسر عليه من بذله لمستحقه فليعلم أن الغالب عليه خلق البخل، وهو مرض فليعالجه بالبذل.
وإن كان البذل ألذ عنده وأخف عليه من الإمساك فقد غلب عليه التبذير، وهو مرض، فليرجع إلى المواظبة على الإمساك .. وهكذا ولا يزال الإنسان يراقب نفسه حتى تنقطع علاقة قلبه عن المال، فلا يميل إلى بذله ولا إمساكه.
بل يصير عنده كالماء، فكل قلب صار كذلك فقد جاء الله سليماً في المقام .. وهكذا بقية الصفات.
ويجب أن يكون القلب سليماً من سائر الأخلاق السافلة، مزيناً بالأخلاق العالية، حتى لا تكون له علاقة بشيء من الدنيا، حتى ترتحل النفس عن الدنيا منقطعة العلائق منها، غير ملتفتة إليها، ولا متشوفة إلى أسبابها، فحينئذ ترجع إلى ربها رجوع النفس المطمئنة كما قال سبحانه: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) } [الفجر: 27 - 30] .
ولما كان الوسط الحقيقي بين الطرفين في غاية الغموض فلا جرم من استوى على هذا الصراط المستقيم في الدنيا، حاز على مثل هذا الصراط في الآخرة.